أدبشعرقصائد

خريف

الرسم للفنانة شون لين يو

***

 

حلم سرير الأرض بالألوان في أيام هذا الفصل،

وذهول راهبة تصليّ

بين مصاطب الشمع،

وجهي… كوجهها

ضائع كاللجة البيضاء، كالنجم

في ليل المحيطات،

كإقفار الأزقة في مدينتنا

حين جموع الناس تركن للصلاه

بين أعمدة المساجد.

عندما تتقرمز الجدران المشقّقة،

ثم تسودّ وتغفو،

أتذكّر روعة الغابة البحرية في عينيك،

لغة طيورها،

شكّها ويقينها…

 

***

 

في ليل عيوني ساحل عبرت موانئه حضارات، أساطيل، خيول، طائرات…

زحفت على قلبي،

وفي صدري أمطار ترقّبها جفاف الأرض،

منذ العصور الحجريّة،

منذ سومر، منذ فرعون، ونمرود، وعلّيسة…

حين لم تكن العوالم غير نفط، ومياه، وتراب، ودخان،

وقلاع عسكريه،

وبروج بابليه…

 

 

عندما تتقرمز الجدران المشقّقة،

ثم تسودّ وتغفو…

 

يبدأ التاريخ من حيث انتهى الشعر،

يبدأ التاريخ من زنبقة الوادي الوحيدة،

من أغاني البسطاء،

من تسابيح العنادل،

من مواويل المساءات الكئيبة…

 

 

آه يا حبّي… غريب!

والذي يأتيني منك ببياض غيمة الصيف، وحبّات الزياتين، والقمح… غريب،

والذي يأتي إليك بجليد الصمت والموت،

وبكاء نورس البحر… غريب.

 

***

 

باغتني الليل ويدي تنقبض على قلبي،

الزمن مسافات ولقاءات في لحظات ينسى الموت مواعيده معنا،

الزمن يضمر،

يتقلّص بين أصابعي… إن رفّ جناح البرق،

في لمعة عين تحتضر. باغتني الليل

وفتحت نافذة الحلم، وأطللت…

 

 

المطر يهمى فوق جراحات الأرض، فتتوالد في نبضها أجيال الزهر الوحشي،

وعروس نسج الفجر على جسمها وشم الحبّ

تمشي هادئة الخطو… فوق بساط من ورق الشجر،

وتمدّ إليّ ذراعيها العاريتين…

 

 

وأفقت.

 

باغتني الليل، وفتحت نافذة الحلم

رأيت الله يسمّي باسم الأرض ويطلع من أصداف البحر،

ويدي تنقبض على قلبي…

المطر يهمى، وعروس الفجر تعانقني…

 

 

***

 

 

حلم سرير الأرض بالألوان في أيام هذا الفصل،

وعيون عاشقة، وذكرى ترقص الآن برأسي.

 

(قالت: من منّا يحمل عبء السحب؟ من منّا يقاتل طغيان البحر؟ أهو الرّاحل؟ أهو المنتظر؟)

 

 

كنّا اثنين في القارب. والملاّح الأطرش ثالثنا. (كانت آثار الزمن المحفورة في وجهه ترسم لي طرقا تتقاطع في الموج)، وفي الجبّانة صبّار أخضر ونباتات أخرى تتناسل في البوابات وتخيط جماجم وعظام الأموات. (قالت: ما أنقى سماء هذا الليل! وأبي احتفل معهم حين رآك تعانقني).

طار خطاف. ونمت في الحقل سنابل. كنّا اثنين في القارب. والملاّح الأطرش ثالثنا. وعلى الشاطئ أطفال ونساء. ورفاقنا شتّتهم مطر صيفي. فانتشروا كفقاقيع الزبد بين صخور الأرض وفجواتها. طار خطاف. ونمت في الحقل سنبلة. شمس الغرباء سقطت خلف السور الغربيّ، وازرقّت أكوام الفحم المتراصفة. في الغابات الريح اشتدّت. رقصت. رقصت أخشاب الأكواخ المتناثرة فوق الشطآن.

(وقفت تمثالا. ملأت عينيها بالأفق. لا الزوج يعود من البحر، ولا الإبنان.) كنّا اثنين في القارب. والملاّح الأطرش مات من سنوات. كان وجهه مهترئا بالريح يأتينا مع طشّ الزبد. (قالت : من منّا يحمل عبء الليل؟ من منّا يقاتل طغيان البحر؟ أهو الراحل؟ أهو المنتظر؟)

بكينا. تعانقنا. تذكّرنا الكوخ الخشبيّ والملاّح الميت. ونمت مدن كالفقّاع من دمعنا. وبكينا. بكى البحر معنا. سقطت خلف السور الغربيّ شمس الغرباء. والريح. والصحراء. وازرقّت أكوام الخشب المتراصفة في الغابات. والورق الذابل. والأشجار بكت.

كنّا اثنين في القارب

عيناك نخيل مدفون في أصقاع ذاكرتي. طار خطاف. ونمت سنبلة في الحقل. واليوم يوشمني الزبد ويعتقني البحر .

 

 

 

 

وتفوح من جسدي روائح المدن القديمه،

والمساءات القديمة،

وهمس النسوة حين نمرّ،

والقناديل التي ما أطفئت،

والسحابات التي ما أمطرت،

 

وتحزنني المرافئ. والمطارات. المحطات. القطارات. البواخر. والمناديل.

تحزنني البحار.

 

 

عندما تتقرمز الجدران المشققة ، ثم تسودّ وتغفو،

أسأل الليل والنجمة عنك. والخطاف،

أسأل الحقل، والسنبلة التي تنمو،

أسأل الزنبقة المخضلّة بالندى،

أسأل الناسك المسكون بالتّيه،

أسأل العاشق والمجنون اللذين رأيا امرأة لها وجهك، مدّت خصائل شعرها،

جسرا من النور … من الأفق إلى الأفق،

 

 

وتحزنني المرافئ. والمطارات. المحطات. القطارات. البواخر. والمناديل،

تحزنني البحار،

 

عندما تتقرمز الجدران المشققة،

ثم تسودّ وتغفو،

يسكن الليل أحجار المدينه،

ويعود للمرافئ قارب يدفعه المدّ ببطء،

نحو كوخ تعرفينه،

وأكون في البعد وحيدا،

مفعما بالحلم،

مملوءا بأحزان دفينه.

 

 

تونس- باريس (١٩٧٧)

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى