في البدء كانت الكلمة

هذه النصوص التي أنشرها هنا تحت عنوان: « قصائد» كتبت في أمكنة وأزمنة مختلفة: تونس، ولندن، وغرينوبل (فرنسا)، وبيروت، وباريس… بين 1977 و2021. وهي تنشر لأول مرة. وتمثل وجوها متعددة من حياة كاتبها الذي اختار الهجرة والإقامة في السفر الدائم. فهي جزء مني. ولئن طرأت على أفكار الإنسان وحياته تغيرات، فإن الأدب باق، لا يتغير ولا يطرأ عليه الصدأ ولا يتآكل ولا يهترئ ولا يصاب بالمرض أو الشيخوخة ولا يموت. إنها نصوص مهاجرة كمعظم ما كتبت منذ بلغت العشرين من سني، هجرتي الأولى إلى باريس. عدت بعدها إلى تونس، ولكن لم يطل بي المقام. وأطول مدة مكثتها هناك كانت بين ١٩٨٨   و ١٩٩٨ … ثم قمت بالهجرة الثانية… وهي مستمرة إلى اليوم.

هذا لا يعني أنني لا أحب تونس. لكن البلد ليس هو الحجارة والأشجار والبحر والرمال والبيوت والمباني… طبعا، ليس هذا هو البلد. الانسان لا ينتمي إلى الأشياء، بل إلى الناس. والناس الذين أعرفهم في البلد، أكثرهم طيبون، ويستحقون الأفضل. وهم الذين أنتمي إليهم، وأفتخر بذلك. لكن من المؤسف أن حياة التونسيين لم تتغير بالأساس: أي لم تتطور نحو الأحسن مع مر السنين. بل أصبحت أسوأ. ولهذا، تستمر الهجرة. ويستمر المهاجرون يتدفقون على السواحل الشمالية للبحر المتوسط.

في سن المراهقة (14-15 سنة)، عندما كان أكثر زملاء المدرسة يقضون أوقات الفراغ في متابعة كرة القدم ولاعبيها، كنت أقضي أوقاتي في القراءة والكتابة. لم أشبع من هذا النشاط المنعزل أبدا، إلى اليوم.

كتبت آنذاك في كراس مدرسي اشتريته خصيصا للغرض: يومياتي. كان ذلك أفضل تمرين أدبي بدأته. أذكر أنني كتبت على الصفحة الأولى هذه العبارة: الإرادة هي القدرة.

وفي الصفحات الموالية، عرفت بنفسي، وأفراد عائلتي، خاصة أمي. وقلت:

عندما أكبر، سأكون كاتبا، وصحفيا، وسأقضي وقتي في السفر والتنقل بين البلدان.

سبحان الله! لقد تنبأت بما تحقق اليوم. فلقد رأيت مستقبلي مكتوبا بيدي على صفحة كراس مدرسي!

فأنا لا أزال أنمّي ذلك الأديب الذي رأيته ينشأ في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، عندما نشرت في جريدة “الصباح” التونسية أولى قصصي القصيرة التي أحرزت الجائزة الأولى لأدب الشباب: 6 شهور اشتراك مجاني في الصحيفة الأولى في تونس! لاأزال أطور ذلك الأديب الناشئ الذي دعاه أستاذه في ثانوية ابن شرف للكتابة في المجلة التي سيصدرها المعهد. ومن ثم، بدأ ينشر قصائده وقصصه القصيرة في مجلة المعهد (الوعي)، ومجلة الشبيبة المدرسية (الانطلاقة)، و بدأ اسمه يظهر شيئا فشيئا في الصفحات الثقافية للصحف والمجلات التونسية الكبرى: الصباح، العمل، الفكر، الحياة الثقافية، بلادي… وغيرها من الصحف العربية بعد الالتحاق بالجامعة.

وكان أساتذتي في ثانوية ابن شرف أول من شجعني، وكانوا أول نقادي، وكذلك بعض زملاء المدرسة المغرمين أيضا بالأدب والأصدقاء الذين كونت معهم مجموعة أدبية صغيرة، تلتقي في قهوة “المغرب”، و “لونيفير” (الكون)، أو قهوة “الأندلس” قرب جامع الزيتونة. فلهم جميعا شكري وامتناني… وأذكر من بينهم : خالد النجار، محمد رضا الكافي، الحبيب السالمي، عزوز الجملي، حمدي حمايدي… كما أذكر الذين كنا نلتقي معهم في دور الثقافة ونتبادل آراء ونصوصا، ونقرأ لبعضنا البعض، كالمختار اللغماني، والطاهر الهمامي،  والذين كانوا مشرفين على المجلات والملاحق وفتحوا لنا أعمدتها، كمحمد بن رجب (جريدة الصباح)، وعز الدين المدني (الملحق الثقافي للعمل، والحياة الثقافية)، ومحمد أحمد القابسي (بلادي)، وسمير العيادي (دار الثقافة ابن خلدون)، والبشير بن سلامة ومحمد مزالي (الفكر)،  والمنصف بن مراد (حقائق)، وحسيب بن عمار (الرأي)… وكذلك الحاج أحمد الهوني (العرب)، الذي قابلت ابنته فوزية في مكتب الجريدة بتونس، وفتحوا لي صفحاتها قبل أن أتعرف عليه شخصيا. وكان له فضل كبير في حصولي على جواز السفر من الداخلية التونسية بعد أن منعوني من السفر مدة ١٠ أعوام. و لا أنسى الذين استقبلوني في بيوتهم ومكاتبهم أكثر من مرة، وعلى رأسهم محمود المسعدي (رحمه الله)، وأسرة الهوني الذين أشعروني أنني واحد منهم. كما كانت لي علاقات طيبة بأعضاء اتحاد الكتاب التونسيين ، العروسي المطوي، ومصطفى الفارسي، وعروسية النالوتي، وسوف عبيد، ونافلة ذهب، وحياة الرايس، وريم العيساوي، ويوسف رزوقة، والميداني بن صالح…  والشكر موصول أيضا للنقاد والناشرين (نور الدين بن خذر، حسن القلاتي، توفيق بكار، الراضي النيفر)… وليرحم الله من توفي منهم.  ولم أذكر هنا من عرفتهم في المهجر (المنصف غشام، الطاهر البكري، الصافي سعيد..الخ) ، كما لم أذكر الأدباء والكتاب العرب والأجانب الذين التقيتهم  في تونس وخارجها، ولذلك حديث آخر ومجال مختلف. و لا يزال هناك العديد ممن التقيتهم، وسأذكرهم بحول الله حين تسنح الفرصة وتنشط الذاكرة وفي نصوص وكتابات قادمة. ولهم جميعا تحياتي.

 

وعلى الرغم من أنني فقدت الكثير مما كتبته في تلك السنوات، خاصة الفترة الأولى من حياتي الأدبية في تونس، فلا شك أن ما نشر منها لا يزال بالإمكان العثور عليه في أرشيف الصفحات الثقافية للجرائد والمجلات التونسية والعربية. وسأكون ممتنا لكل من لديه شيء من تلك الأوراق القديمة ، منشورة أم غير منشورة، فيوافيني بها على البريد الإلكتروني لهذا الموقع:

info@hichemkaroui.com

ما أنشره هنا تحت عنوان «قصائد» هو بعض ما كتبته في المدن التي أقمت فيها: باريس، بيروت، تونس، وأخيرا لندن.

أما الرسوم التي ترافق بعض النصوص، فهي من إبداع رفيقتي الفنانة التشكيلية الصينية شون لين يو، التي ساهمت بعض أعمالها في إضفاء عالم غرائبي من الألوان والأشكال العجيبة على أغلفة كتبي. فكل الشكر لها.

هشام القروي

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى