19 May، 2022

أوراق الدكتور هشام القروي Dr.Hichem Karoui Papers

راقب أفكارك، لأنها تتحول إلى كلمات. راقب كلماتك، لأنها تتحول إلى أفعال. راقب أفعالك، لأنها تتحول إلى عادات. راقب عاداتك، لأنها تكون شخصيتك. راقب شخصيتك، لأنها تحدد مصيرك

مقدمة الكتاب الثالث في سلسلة قطر في عيون الآخرين

د. هشام القروي

أمثلة عن رؤية الآخرين للأداء القطري في السياسة العامة للدولة

في ظروف الاضطراب السياسي المستمر إقليمياً

 وتدهور أسعار النفط دولياً

 

كانت سنة 2015 سيئة بشكل خاص في المنطقة العربية، وبشكل أخص للدول المصدرة للنفط. ففي شهر يوليو 2015، توقع صندوق النقد الدولي تراجع الأسعار العالمية للنفط بنحو 39% خلال عام 2015 لتتراوح حول 58.8 دولار للبرميل، وتعافيها بنسبة 9% عام 2016، مع تعزز مستويات النشاط الاقتصادي العالمي والتوقعات بتراجع مستويات المعروض من خارج دول أوبك. ومع اتجاه أسعار النفط نحو التراجع بشكل واضح خلال شهر أغسطس من عام 2015 لتسجل 45.5 دولار للبرميل في أعقاب التطورات التي شهدتها البورصات العالمية تلك الفترة، ثارت شكوك بشأن إمكانية وصول الأسعار العالمية للنفط للمستويات المقدرة مسبقاً من قبل المنظمات الدولية. أضف إلى ذلك الاتفاق النووي الإيراني الذي ستكون له تأثيرات على مسار الأسعار العالمية مع الرفع التدريجي للعقوبات الاقتصادية، حيث يمكن إيران من زيادة إنتاجها النفطي في سوق تتسم بزيادة مستويات المعروض. وعلى المستوى السياسي، فقد شهدت البيئة الأمنية الإقليمية تدهوراً ملحوظاً، حيث استمرت الأزمات السابقة وتزايدت حدتها مع التدخلات الأجنبية، لاسيما في سوريا واليمن، ونشطت المجموعات الإرهابية وتفاقمت خطورتها على الدول العربية – بما فيها الخليجية – وتوسعت أنشطتها وعملياتها لتشمل أجزاء من أفريقيا وآسيا فضلاً عن توجيه ضربات مؤلمة لبعض الدول الغربية.

بشكل عام، لمسنا في 2015 زخما أقل في حدة الانتقادات والهجمات على دولة قطر من طرف نفس المؤسسات التي كنا أوردنا بعض ما أصدرته في الكتابين الأول (2013) والثاني (2014) من سلسلة “قطر في عيون الآخرين”. وكلمة “أقلّ” تفيد النسبية والارتباط بأحداث أخرى جلبت الأضواء. وهذا لا يعني إطلاقا أن تلك الانتقادات والهجمات كفت، لأن الأسباب التي أدت إليها في الواقع كانت لا تزال قائمة كما نعلم، وهي التي ستؤدي فيما بعد إلى نفاد صبر الدول العربية الأكثر تضررا من سياسات آل ثاني. ولعل الحدث الأهم يتمثل في بروز المملكة السعودية بعد ارتقاء الملك سلمان إلى الحكم في دور اعتبره العديدون “أكثر تأكيداً للذات”، فيما اعتبره آخرون “أكثر هجومية”. أي أن المملكة السعودية – بعد التصالح مع قطر – جلبت لنفسها الأضواء وأصبحت سياساتها في الشرق الأوسط عامة مثاراً للجدل والتساؤلات، فيما تراجعت قطر إلى دور أقل إثارة.

ومع ذلك، استمر المحللون السياسيون في عدد من المراكز البحثية الغربية خاصة يعتبرون سياسة دولة قطر الخارجية ملتبسة ومزدوجة. ولا شك أن بعضهم رآها لا تزال بحاجة للغرب، ولكن في الوقت نفسه يرون أنها تدعم أطرافاً وتنظيمات تعلن عداءها لنفس هذا الغرب الذي تحتاج الدوحة حمايته وسلاحه. ولعله ينبغي التمييز في الغرب بين المواقف الحكومية (خاصة السلطة التنفيذية)، ومواقف السلطات الأخرى ومنظمات المجتمع المدني والمجتمع الصناعي، ومراكز البحوث، والإعلام، والنشر. فالغرب عالم معقد، والحرية التي يتمتع بها الناس فيه تجعل من الصعب تكثيف مختلف التصورات والرؤى في موقف الدبلوماسية أو الحكومة.

كذلك استمرت المنظمات الحقوقية في فضح الأوضاع الاجتماعية المزرية للعمال الأجانب، متحدثة عن قصور قانون العمل وعدم كفاية الإصلاحات التي أدخلت عليه.

وفيما يلي عرض موجز لأهم المنتخبات التي ترجمناها في إصدارات سنة 2015 حول قطر وعلاقاتها والمواضيع التي ترتبط بها كما يراها الباحثون والخبراء والكتاب في المنظمات الدولية والإقليمية ومراكز الأبحاث. هذه المقدمة لا تعرض كل شيء ولا تغني عن قراءة المنتخبات، كما لا تغني المنتخبات نفسها عن قراءة النصوص الأصلية المفهرسة لكل مستزيد.

 

تقييمات الأوضاع السياسية والأمنية

 تنوعت التقييمات هنا بين من يضع الثقل على المملكة العربية السعودية في إدامة عدم الاستقرار وبين من يتهم بذلك قطر أو الدول الخليجية الثلاث: السعودية والإمارات وقطر.

يرى أوستن لونغ، أحد خبراء شبكة الأمن الدولي (زيورخ، سويسرا)، أن ثلاثة تحولات استراتيجية أجبرت دول الخليج العربية على تطوير أجهزة مخابراتها مهنياً وتوسيع قدراتها، وهي:  تنامي الإرهاب، والخوف من انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، وتنامي نفوذ إيران، وأن الربيع العربي ساهم أيضاً في إعادة التقييم. وفي حديثه عن قطر، يقول إنها أعادت  هيكلة أجهزة مخابراتها عام 2004، ودمجتها في مؤسسة واحدة – أمن دولة قطر (QSS) التي أصبحت فيما بعد منظمة مهنية. إلا أنه في الوقت نفسه يلاحظ ما سماه “ازدواجية” الجهاز. ويعني بذلك أن “كيو إس إس” (المخابرات القطرية) قد تساعد الحلفاء الغربيين على حل بعض المشاكل العويصة، كالإفراج عن بعض الرهائن التي تقع في أيدي المجموعات المسلحة، ولكنها في الوقت نفسه تقوم بتنسيق شبكة تزويد المتمردين الإسلاميين السوريين بالسلاح والمال. والكاتب يقصد بالطبع تلك المجموعات التي يعتبرها الغرب متطرفة و إرهابية، والتي لا ترتبط بسوريا حصرياً وإنما تنشط على مساحة أوسع.

أما كريستينا لين، خبيرة معهد الاستشارات الاستراتيجية والسياسية والأمنية والاقتصادية في برلين، فترى أن ما تسميه قطر وتركيا “معارضة سورية معتدلة” هو جيش الفتح وأحرار الشام المخترقين من تنظيم القاعدة، وأن 95% من جماعات المعارضة هم من المقاتلين الأجانب المأجورين، بما في ذلك السجناء القدامى المحكوم عليهم بالإعدام الذين أطلقوا، فحولوا النزاع من حرب أهلية من أجل الإصلاح الديمقراطي، إلى حرب شاملة تشنها قوى أجنبية ضد الاستبداد العلماني لتحل محله دولة دينية إسلامية متطرفة. وبما أن جيش الفتح يتألف أيضاً من مسلحين مناهضين للصين والآلاف من الشيشان والمقاتلين الآسيويين الذين يشنون بالفعل هجمات على أوطانهم، فإن محاولات الدوحة لشد عضدهم من شأنها تصعيد الحرب، وجلب ثلاث قوى نووية إلى الميدان، وهي روسيا والهند والصين للدفاع عن أنفسهم ضد الجهاديين المدعومين من قطر. بمعنى آخر، إن دعم هذه المعارضة لن يحل المعضلة السورية، بقدر ما يساهم في تدويلها، فضلاً عن أنه يجعل ثلاث قوى مهمة (روسيا والصين والهند ) تقف في موقف معاد لداعمي المعارضة الإسلامية (قطر وتركيا بالأساس). وهذا يعني أن التدخل الروسي القوي في سوريا ينبغي تفسيره أيضاً في ضوء هذه المعطيات التي تؤدي في تقدير موسكو إلى تحويل سوريا إلى ملاذ للإرهابيين. وإلى ذلك، يلاحظ أنه من الصعب إطلاق تسمية “الشعب السوري” على أغلبية من المقاتلين الأجانب.

واعتبر جوليان بارنس داسيه، أحد خبراء المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن الدول الخليجية أصبحت نشيطة من ناحية تأكيد الذات (أي الزعامة) بشكل لم يسبق له مثيل في أعقاب انتفاضات الربيع العربي، وأن الواقع الجديد الذي خلقته تدخلات السعودية، وقطر، والإمارات على وجه الخصوص – بما فيه العمل العسكري في ليبيا، والبحرين، وسوريا، والعراق، واليمن – يشكل تحدياً جديداً بالنسبة لأوروبا، لاسيما وأن الدول الثلاث راحت تدعم أطرافاً متناقضة مما زاد الصراعات حدة. ويؤكد هذا الباحث أنه “حتى لو كانت دول الخليج بصدد الرد جزئياً على مصادر قلق شرعية تهم سياسات زعزعة الاستقرار التي تمارسها الجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى، فإن ما تفعله يساهم أيضاً في دوامة انهيار الدول، والصراعات والإرهاب وتدفقات المهاجرين – وكلها تهدد بشكل متزايد المصالح الأوروبية”.

وفي رأي أندرو هامون، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن قطر التي اتهمت أكثر من غيرها بالوقوف وراء داعش “تجد نفسها الآن في موقف حرج:  فهي لا تواجه نفس التهديد للأمن الداخلي من طرف داعش الذي تواجهه جهات فاعلة إقليمية أخرى. ولذلك، ينظر إليها، حتى من قبل بعض من حلفائها، بصفتها بطريقة ما أكثر تهورا وأكثر مسؤولية عن إنشاء داعش…” ويرى أن “الاتهامات الصادرة ضد قطر من جيرانها وحلفائها في أوروبا والولايات المتحدة، تمثل تهديداً لمكانتها العالمية وللسمة البارزة التي أنشأتها بعناية على مدى العقد الماضي”. ويعتقد أن ذلك من شأنه أن يفقد الدولة هيبتها ويشكل خطراً على السلطة.

ويذهب أليكسي كليبنيكوف من معهد دراسات الأمن القومي (إسرائيل) إلى أن الخلاف القطري-السعودي حول كيفية التعامل مع الإخوان المسلمين يمكن أن يشكل تهديداً للأمن الخليجي. ويرى أن زيادة قوة الإخوان المسلمين يمكن أن تؤدي إلى تسييس الإسلام مع عواقب لا يمكن التنبؤ بها بالنسبة لمنطقة الخليج بأسرها. ويعتقد يوئيل جوزانسكي، من نفس المركز، أن التوتر السعودي القطري خاصة فيما يتعلق بدعم قطر للإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين، قد أدى إلى ضعف مشاركة قطر في العديد من الترتيبات الأمنية المختلفة داخل مجلس التعاون الخليجي. إلا أنه مع ذلك يرى في استراتيجية التحوط للدول الصغرى التي تنتهجها في رأيه قطر – مع إيران مثلاً – تسمح  بالحفاظ على الروابط الهامة مع الدولة التي تهددها، وفي الوقت نفسه، بتشكيل تحالفات لمواجهة ذلك التهديد.

وفي كتاب جماعي صدر عن مركز الأبحاث الأوروبي “فريد” (إسبانيا)، قالت الباحثة آنا إيشاغو إن المنطق الكامن وراء وقوف قطر إلى جانب الثورات في بلدان الربيع العربي كان يهدف إلى “التأثير في اتجاه التحولات لصالح الفصائل المدعومة من الدوحة وتغيير ميزان القوى في المنطقة، ولم يكن الهدف تعزيز التطلعات الديمقراطية”. واعتبرت أن قطر تدعم في كل مكان الإسلاميين (بما فيهم الراديكاليون) الذين لم يؤمنوا يوماً بالديمقراطية. ومن ثم، رأت أن السياسة القطرية كانت لها تأثيرات سلبية تماماً بالنسبة للانتقال الديمقراطي في المنطقة. وبالنسبة لحيزم أميره فرنانديز من المعهد الملكي إلكانو للدراسات الدولية والاستراتيجية (إسبانيا)، فإن الكتلة التي شكلتها قطر من خلال تحالفها مع مختلف المنظمات المرتبطة بالإخوان المسلمين أصيبت بضعف شديد جراء هزيمة تلك الجماعة في مصر.

وتذهب مجموعة الأزمات الدولية (بلجيكا) في بعض تقاريرها التي أوردنا مقتطفات منها أيضا، إلى أن الأطراف الخارجية العربية جميعاً تدعي أنها تريد مساعدة جهود الأمم المتحدة لإعادة السلام والأمن والاستقرار إلى ليبيا، إلا أنهم رغم إعلانهم تفضيل حل تفاوضي، يستمرون باتخاذ مواقف منحازة وتقديم الدعم السري لحلفائهم.

وفي مركز الدراسات الأمنية (سويسرا) تكتب كريستينا لين قائلة إن مطالبة أردوغان بمنطقة عازلة أمريكية-تركية في سوريا، من المرجح أن يكون هدفها منع قيام حكم ذاتي كردي وليس محاربة داعش، مع فتح إمكانية بناء خط الأنابيب للغاز الطبيعي المقترح منذ عام 2009 بين تركيا وقطر. فمع إنشاء خط الأنابيب هذا عبر منطقة حلب – التي ستقام فيها المنطقة العازلة -، سيتمكن “جيش الفتح” المدعوم من تركيا وقطر (والسعودية، في البداية) من إقامة دويلة سنية سلفية في سوريا، وتمكين أنقرة والدوحة من تقاسم الثروة التي سيولدها خط الأنابيب في المستقبل.

وقد رأت مؤسسة ستراتفور الأمريكية في تمتين قطر لعلاقاتها مع تركيا، في الوقت الذي سعت فيه إلى إصلاح علاقاتها مع مصر وترميمها مع السعودية والإمارات والبحرين، سعياً للحد من اعتمادها على جيرانها للدفاع الإقليمي، وتكوين روابط أمنية مع دولة إقليمية قوية لا تقاسمها الحدود، وإنما – في اعتبار ستراتفور – “الشكوك حول نوايا السعودية وإيران في المنطقة.” وتوقعت ستراتفور مع ترسيخ العلاقات مع أنقرة استمرار دعم الدوحة للإسلاميين ولكن بشكل أكثر حذراً.

واعتبرت تالي هيلفونت من معهد أبحاث السياسة الخارجية في واشنطن أن رهان الدوحة على الإسلاميين خلال ثورات الربيع العربي كان يعني إمكانية “تشكيل استراتيجية سياسة خارجية جديدة تميزها عن أخواتها من الدول الخليجية العربية”، وكان يعني أيضاً التضحية بدور قطر التقليدي كوسيط دبلوماسي، ولكن ذلك أدى إلى أزمة داخل مجلس التعاون الخليجي. وكان الاستياء الخليجي مصحوباً أيضاً باستياء أمريكي، حيث اعتبرت واشنطن سلوك قطر محيراً إن لم يكن استفزازياً. فهي شريك حقيقي يعتمد عليه في التعاون الإقليمي ومكافحة الإرهاب من ناحية، وهي من ناحية أخرى تدعم جماعات تعلن عداءها للولايات المتحدة. وترى هيلفونت أن التحالف الخليجي الذي يصمد الآن في مواجهة داعش لن يستمر إذا لم تتقارب وجهات النظر حول كيفية التعامل مع القضايا الإقليمية الرئيسية.

ورأت لينا الخطيب من مركز كارنيغي للشرق الأوسط أن السعودية نجحت في كبح جماح طموحات قطر السياسية حين جذبت الدول الخليجية الأخرى إلى موقفها تجاه الإخوان المسلمين، وحققت هدفاً أكبر من خلال جعل جامعة الدول العربية تصادق على مبدأ تشكيل قوة عربية مشتركة، في مواجهة الطموحات الإيرانية. وفي رأي ألكساندرا سيغل، من نفس المركز أيضاً، أن “الحماس السني” الذي صحب مشاركة مقاتلات من البحرين ومصر والأردن والكويت والمغرب وقطر والسودان والإمارات في العملية التي تقودها السعودية في اليمن، صاغه القادة العرب بـ”عبارات طائفية حادة” معتبرين المسألة “حرباً ضد كل الشيعة المرتبطين بالإمبراطورية الإيرانية “الصفوية”، ومتجاهلين الهويات الشيعية المحلية.

واعتبرت إيما آشفورد من معهد كاتو (واشنطن) أن الدول الخليجية مثل السعودية وقطر تفتقر إلى أدوات السياسة الخارجية، والوسائل العسكرية أو الاستخباراتية اللازمة لتنفيذ سياستها الطموحة خاصة في سوريا، وتصف أعمالها بالعشوائية، بمعنى أنها تؤدي في رأيها إلى “تعزيز الطائفية ووضع المال والأسلحة في أيدي المقاتلين المتطرفين، وخلق أرضية خصبة لنمو الدولة الإسلامية”. وتخص بالذكر قطر التي تقول إنها “نادراً ما تتفحص مسألة من هم المستفيدون من مساعداتها”. ومن ثم تخلص الباحثة إلى أن حلفاء الولايات المتحدة الخليجيون هم أكبر مشكلة تعترض واشنطن.

وترى نفس الكاتبة في ورقة أخرى أن السياسة الخارجية القطرية تفتقر إلى المهنية. فهي كما تصفها تتركز “في أحسن الأحوال في أيدي أربعة أشخاص”. وتضيف: “يتخذ الأمير جميع القرارات شخصياً في عملية غاية في انعدام الرسمية”.  وهذا ما يجعلها تتعثر في نظرها، حيث ترى أن “الكثير من إنجازات قطر المعروفة في الوساطة، بما في ذلك المحاولات المبذولة في أزمات اليمن، ولبنان، ودارفور، قد فشلت بعد فترة وجيزة من النجاح الظاهر”. وتعزو هذا التعثر إلى الطبيعة “الشخصية” للوساطة. ومن ثم، تخلص إلى عدم التوافق بين أهداف السياسة الخارجية القطرية وقدراتها.

والواقع أنه من السهل الرد على الباحثة إيما آشفورد بأن الطبيعة الشخصية للوساطة ليست ولا يمكن أن تكون عائقاً. على عكس ذلك، الزعامة مطلوبة في السياسة الخارجية كما في السياسة الداخلية. وصانعو القرار في دول كبرى – بما فيها الولايات المتحدة – قد لا يتعدون أصابع اليد الواحدة. وفي فرنسا تعتبر السياسة الخارجية منذ الجنرال ديغول “مجالاً خاصاً لرئيس الجمهورية”. والنظام الرئاسي الأمريكي يركز السياسة الخارجية أيضاً بأيدي الرئيس. ولكن الفرق بين صانع القرار في الولايات المتحدة أو فرنسا، وفي دولة كقطر، هو تعدد الهياكل والقنوات التي تتفحص المعلومات وتزنها وتغربلها قبل إيصالها إلى صانع القرار. فليست أجهزة المخابرات هي الوحيدة المنوط بها جمع المعلومات وتقييمها، وتقديمها لمستشاري الرئيس، وإنما كل المؤسسات التي تعمل في مجال الجمع والتحليل والنشر، بما في ذلك الصحافة والإعلام، ومراكز البحوث والدراسات. وبالرغم من كل ما يتوفر من معلومات ومهنية عالية للأمريكيين مثلاً، فإنهم كثيراً ما أخطأوا في تقديراتهم وبنوا خطواتهم في السياسة الخارجية على الوهم. أما فيما يخص فشل الوساطات القطرية، فهي في رأينا عائدة إلى أن الوازع المالي هو الركيزة، وليس الاقتناع بوجود حال سياسي مستديم. ومن الواضح أن قطر تدفع مبالغ كبرى للحصول على عنوان كبير في الصحافة: «نجحت الوساطة»! ولكن الأطراف تطالب دوما بمزيد من المال، وإن لم يدفعوا لها، تعود الأزمة كما كانت. وهذا هو المأزق الذي تتردى فيه دوما السياسة القطرية العاجزة عن الإقناع إلا بتقديم المال.

 

تقييمات التنمية والأوضاع الاقتصادية

 

بالنسبة لدولة قطر، يتأثر النشاط الاقتصادي كما هو متوقع بعدد من العوامل منها التطورات الدولية في أسعار النفط والغاز، ومعدلات النمو المحققة في الاقتصادات المتقدمة. هذا ما أشار إليه تقرير “آفاق الاقتصاد العربي 2015”  الصادر عن صندوق النقد العربي.

 فقد توقع البنك الدولي تحول الفائض المالي المتراكم سابقاً إلى عجز في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، مع تحمل السعودية أكبر مقدار منه. وقد وقع العجز، ووقع كذلك انخفاض في الفوائض في بعض أقطار المجلس، ومن بينها قطر. ومن المهم التذكير بإشارة البنك إلى أن “استمرار الانخفاض في أسعار النفط مع استمرار برامج الإنفاق المالية الحالية” من شأنه أن يبقي “منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على حافة الهاوية”. (انظر التفاوتات والانتفاضات والصراع في العالم العربي، مجموعة البنك الدولي). وأما صندوق النقد الدولي، فقد أشار إلى أن الاحتياطات المالية لن تدوم إلى الأبد، وهناك حاجة بالتالي لنموذج نمو جديد يقوم على تنوع النشاط الاقتصادي. ومع ذلك، يمكن اعتبار قطر من الدول القليلة المحظوظة إذا اعتبرنا عدد السنوات التي تنضب بعدها الاحتياطات المالية. ففي حين توقع صندوق النقد الدولي أن تلك الاحتياطات قد تنضب في أقل من خمس سنوات بالنسبة للسعودية وعمان وإيران والبحرين، توقع 25 سنة على الأقل بالنسبة لكل من قطر والإمارات و30 سنة بالنسبة للكويت. (انظر النفط والصراعات وفترات التحول 2015).

ونشر معهد بروكينغز ورقة لناصر التميمي عن تغير آفـاق سـوق الغاز الطبيعي المسال العالمية، ربط فيها مكانة قطر الاستراتيجية في العالم بتصدير الغاز، بما يعني أنه مع صعود منافسين أقوياء، قد تفقد قطر تلك المكانة التي ميزتها إلى حد الآن. فقال بالخصوص “إن المنافسـة المباشرة مـن طفـرة الغـاز الصخـري يمكن أن تؤدي إلى فقدان قطـر لمكانتها باعتبارها الملك المتوّج بلا منازع لسـوق الغاز الطبيعي المسال. ثانيـاً، إن الزيـادة في الإمدادات مـن دول مثـل الولايات المتحدة وأستراليا قـد يـؤدي إلى انخفاض الأسعار لسـنوات قادمـة. ثالثـاً، سـوف يتيـح توفـر إمـدادات بديلة للمشترين في الأسواق الآسيوية التفاوض بحـزم على أي صفقـات مسـتقبلية”.

ولكن في الوضع الحالي، هناك في الواقع جوانب عديدة من السياسة العامة في هذا البلد حظيت بالتنويه والإشادة من طرف مؤسسات دولية محترمة، بالرغم من أن سنة 2015 لم تكن سهلة إطلاقاً بالنسبة لدول الخليج العربية، لأسباب متنوعة، منها ما يتعلق بالاقتصاد والمالية (هبوط أسعار المحروقات)، ومنها ما يتعلق بالظروف السياسية التي تمر بها المنطقة العربية، لاسيما الحرب في سوريا واليمن.

نجد إشادات واضحة بالأداء القطري في إصدارات لصندوق النقد الدولي. فالتقرير عن “مشاورات المادة الرابعة لعام 2015” يكرر ما يقوله المسؤولون الحكوميون في قطر من ناحية تنفيذ الدولة “استراتيجية طموحة لتنويع الاقتصاد مع الاحتفاظ بدورها (قطر) النظامي في سوق الغاز الطبيعي العالمية”. ويضيف: “تساهم قطر بنسبة الثلث في مجموع التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال، وقد أصبح لها دور بارز كمستثمر مالي عالمي مهم، ومستورد للعمالة، وبلد مانح”. 

ومن الإشارات الجيدة أن تحتل قطر المرتبة 14 على الصعيد العالمي والأولى عربياً في تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في السنة المذكورة. إن الرتبة التي حصل عليها البلد عالمياً تضعه عملياً في أوائل الصف الثاني بعد صف العشرة الأوائل. يعني هذا أن ما كان يحول بين قطر واحتلال رتبة ضمن قائمة العشرة الأوائل في العالم هو ثلاث درجات فحسب، هي كل ما يفصلها عن قائمة الدول التي تقودها سويسرا (1) وسنغافورة (2) والولايات المتحدة (3). هنا، المسألة لا تهم الحجم الجغرافي للبلدان ولا الحجم البشري. يمكن لعمالقة جغرافيين وبشريين أن يبقوا في ذيل القائمة العالمية إذا لم يكن في مقدورهم أن يرفعوا مستوى تنافسيتهم. ويمكن لدولة صغيرة كسويسرا أو سنغافورة أن تسبق دولاً كالصين وروسيا وكوريا الجنوبية وماليزيا وإيران وتركيا وإيطاليا وفرنسا والبرازيل والأرجنتين وجنوب أفريقيا ونيجيريا… وهو ما حصل فعلاً عام 2015. فالتنافسية لا تعني الكفاح بحد ذاته، وإنما أكثر من ذلك. إنها تعني بعد تحديد الأهداف بوضوح، إرادة الكفاح، والصبر عليه، والقدرة على تحمله، والسير وفق الخطة المحددة إلى آخر المطاف. والتنافسية هي ما يحدد نجاح الدول والأفراد. ودولة قطر للأسف، تبدد مواردها في المراهنات السياسية العقيمة، في حين أنه بإمكانها أن تصبح سنغافورة أو سويسرا العرب، لو تغلبت الحكمة وغاب الغرور.

ونجد في “تقرير القضايا المختارة 2015” الصادر عن صندوق النقد الدولي (انظر المقتطفات)، التأكيد بأن قطر تنتمي إلى مجموعة صغيرة من الدول تعتبر من الاقتصادات سريعة النمو، وهي اليابان والصين وجمهورية كوريا ومقاطعة تايوان الصينية وهونغ كونغ (الصين) والبرازيل وبوتسوانا وماليزيا وسنغافورة وعمان. وهذه البلدان حققت درجة نمو الناتج الإجمالي المحلي بنسبة 7% في المتوسط لمدة 25 عاماً أو أكثر. ويقول التقرير خاصة: “بلغت قطر هذا المستوى الحدي، حيث حققت في المتوسط 7% في السنوات من 1984 إلى 2008. وعند امتداد هذه الفترة لتغطي 1984- 2013، تبلغ نسبة النمو 75.7% في العام. وفي القطاع غير الهيدروكربوني، بلغ النمو السنوي في قطر 25.8% على مدى الفترة نفسها، وهو ما يتجاوز المستوى الحدي البالغ 7% بكثير”.

 وحسب تقرير تنافسية الاقتصادات العربية، احتلت قطر المركز الأول في مؤشر أداء التجارة الخارجية بين الدول العربية في نفس السنة، بسبب زيادة صادراتها من الغاز الطبيعي المسال، كما حصلت قطر على المركز الأول في مؤشر معدل النمو الحقيقي. واستحوذت دولة قطر على المركز الأول في مؤشر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. وفي مؤشر القطاع النقدي والمصرفي، جاءت قطر في المركز الأول في العالم العربي. وهناك المزيد من الأمثلة في هذا الجزء من الكتاب المهم بمقارناته، ولكن ما يؤسف له أن البيانات تعود إلى سنة 2013، في حين أن التقرير صدر في يناير 2016. ولذلك، فمن حقنا أن نضع نقاط استفهام على النتائج التي توصل إليها تقرير تنافسية الاقتصادات العربية، إذ ليس من المعقول أن نعرض مؤشرات عن سنة معينة، في حين أن البيانات أقدم من تلك السنة. إنه مجهود ضائع، بالرغم من أننا نستعرضه هنا. لكن كان لا بد من الإشارة إلى هذه السقطة في التقرير العربي.

ونجد في تقرير ريادة الأعمال والتنمية لعام 2015، الصادر عن المعهد العالمي لريادة الأعمال والتنمية، أن قطر تحتل في سنة 2015 المرتبة الثانية عربياً والرابعة والعشرين (24) عالمياً من بين 130 دولة شملها المؤشر. كانت الأولى عربياً هي الإمارات العربية المتحدة التي حصلت على الرتبة العشرين (20) في العالم.

يذكر كذلك في سياق متقارب يتعلق بمؤشر سهولة أداء الأعمال الذي تصدره مجموعة البنك الدولي أن قطر احتلت المرتبة الثالثة، مباشرة خلف السعودية (2) والإمارات (1) على صعيد الدول العربية. وهنا كذلك لا بد أن نتذكر بالخصوص أن التقدم الحقيقي يقاس بمعايير عالمية على مستوى العالم بأسره وليس على مستوى الإقليم أو مجموعة من الدول. فترتيب قطر الحقيقي هو 50 في العالم، وكون الإمارات (الأولى عربياً) تحتل المركز 22 في العالم، هو مؤشر جيد يدل على إمكانية التقدم واللحاق بالدول العشرين الأولى، ثم الدول العشر الأولى. وفي بلد تتجه فيه السياسة العامة للدولة إلى مزيد من الانفتاح وتختار إرادياً تنويع الاقتصاد والمراهنة على القطاع الخاص – وهو ما نجحت فيه سنغافورة وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية – لا يزال هناك عمل كبير ينتظر إنجازه لتحسين الأداء (انظر في المقتطفات: ترتيب دولة قطر على الصعيد العالمي في المؤشرات الفرعية لأداء الأعمال).

وقد احتلت دولة قطر في المرتبة الثالثة عربياً والثانية والثلاثين (32) على الصعيد العالمي في تقرير الحرية الاقتصادية لعام 2015 الصادر عن مؤسسة هيريتيج Heritage Foundation اليمينية الأمريكية، فيما احتلت هونغ كونغ المرتبة الأولى في العالم.

ومن أهم التقارير الرسمية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة (البرنامج الإنمائي) تقرير التنمية البشرية الذي نجد فيه قطر تحتل المرتبة الأولى بين الدول العربية والثانية والثلاثين في العالم (من بين 188). تقدمت قطر دولاً أكبر حجماً بشرياً وجغرافياً ولا تقل عنها من ناحية الموارد الطبيعية كالسعودية والجزائر والعراق. وهذا الترتيب مهم لأنه يدل على تحسن الأداء في السياسات العامة للدولة، وتبدو الضغوط التي لا تفلت منها أي حكومة وكأنها تعمل كدافع لتحسين الأداء. مثال ذلك الانتقادات التي توجه إلى قطر بسبب قانون العمل. هل أن حصول قطر على المرتبة الأولى بين الدول العربية، يعني أن أوضاعها أفضل على هذا المستوى؟ ليس بالضرورة. فما يؤكده تقرير سنة 2015 أن “الصلة بين العمل والتنمية البشرية ليست تلقائية، لأن بعض أشكال العمل، مثل العمل بالإكراه، تتنافى مع التنمية البشرية بما تنطوي عليه من انتهاك لحقوق الإنسان وكرامته وتعد على حريته واستقلاليته”. والواقع أن المرتبة الأولى بين الدول العربية التي لا تزال في الغالب متخلفة في مجال التنمية البشرية، ليست مسألة مهمة. وليست بالقطع أهم من التقدم في الترتيب العالمي. وأن تحتل قطر المرتبة الأولى في التنمية البشرية بين الدول العربية، في حين أن تقارير عديدة تصف ما يقع فيها من استغلال فاحش للعمال الأجانب، بالعبودية، هو دليل على نسبية الأحكام، وسوء الوضع العربي برمته. ونحن نضع هنا أيضا تساؤلات على نتائج تقرير التنمية البشرية العربي، ولا نعلم إن كانت لعبت فيه تأثيرات معينة. هناك مثلا، بلدان عربية تعترف قوانينها بالأحزاب السياسية والنقابات العمالية، ولمؤسسات مجتمعها المدني ديناميكية تتجاوز بكثير ركود المجتمع القطري الذي يبدو وكأنه يدور حول نفسه منذ قرن، ولا يتقدم إلى الأمام. نقصد بذلك التقدم  الاجتماعي والمشاركة السياسية. إن دولة قطر لا تعترف بأحزاب ولا بنقابات عمال. فكيف تعطى الرتبة الأولى في التنمية البشرية عربيا، مع وجود بلدان مثل مصر والمغرب وتونس؟ بل إن الإمارات العربية المتحدة أكثر تقدما من الناحية الاجتماعية والاقتصادية من قطر، وهي تسبقها منذ عقود، وكذلك الكويت. فكيف تأتي قطر قبلها في الترتيب؟

ومن قبيل المفارقات الخادعة ربما أن قطر، التي يصفونها غربا وشرقا، وعن حق، بدعم المتطرفين والإرهابيين، هي أيضا الدولة “الأكثر سلماً” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا! وهو الترتيب الذي حصلت عليه في مؤشر السلام العالمي 2015. فهل يعني ذلك أن دولة قطر مسالمة أم أنها خالية من العنف والعمليات الإرهابية؟ لن نعدم من بين المراقبين من يقول إن القطريين يدفعون الخطر بعيدا عن بلادهم، بتمويل النشيطين في الخارج، وهو ما يستوجب إقامة علاقات مع المتطرفين، سواء «للتوسط» عند الحاجة، أو لدفع الضرر بعيدا عن البلد. وهم طبعا يملكون الموارد لذلك.

إن التقرير السنوي (الإصدار التاسع) من “مؤشر السلام العالمي لعام 2015″، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام (IEP)، الذي منح إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المرتبة الأولى بين المناطق الأكثر عنفاً في العالم بعد أن تجاوزت جنوب آسيا، يعتبر قطر الدولة الأكثر سلماً بين دول الإقليم. فالمؤشرات الفرعية الـ23 تقيس مستويات الأمن والسلامة في المجتمع وعدد الصراعات الخارجية والداخلية، ومستوى التسلح، وعدد الحروب الداخلية والخارجية المشاركة فيها الدولة، وتقديرات أعداد الوفيات في تلك الحروب، والعلاقات مع الدول المجاورة، ومستويات عدم الثقة في المواطنين الآخرين، وعدد المشردين وعدم الاستقرار، واحتمالات وقوع أحداث إرهابية، وعدد جرائم القتل ومستويات جرائم العنف، وأعداد السجناء، والإنفاق العسكري، وأفراد الجيش والشرطة، والصادرات والواردات من السلاح، وعمليات الأمم المتحدة، وسهولة الحصول على الأسلحة الخفيفة والصغيرة، والإرهاب ومعدلات القتل والجرائم الأخرى… وهكذا ظفرت دولة قطر بالمركز الأول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والــ30 عالمياً.

حقيقة! يستعمل البعض البيانات الكمية دون فهم أو تحليل للواقع الجيوسياسي، فيترجمون ذلك الواقع ترجمة خاطئة، لأنها آلية. بطبيعة الحال، لم ترسل قطر جيشها ليحارب في ليبيا أو سوريا أو أفغانستان أو الصومال… فهل معنى ذلك أنها لا تشارك في تلك الحروب؟ وخذ أعداد السجناء مثلا، هل حقا أعطت وزارة الداخلية القطرية العدد الصحيح لسكان السجون في البلد؟ هل سمح لباحثي معهد الاقتصاد والسلام أن يحصوهم أو أن يتعرفوا على أوضاعهم؟ أما العلاقات مع الدول المجاورة، فهل يعقل أن نقول إنها ممتازة في حين أن تلك الدول بالكاد أعادت سفراءها إلى الدوحة بعد أزمة كبرى بسبب سياسات قطر العدوانية؟ وماذا عن الإنفاق العسكري القطري؟ إنه شيء عجيب فعلا، أن نقول قطر هي الأكثر سلمية في حين أنها الأكثر إنفاقا على السلاح، خاصة منذ الأزمة الخليجية الأولى، فضلا عن أنها أيضا الأكثر إنفاقا على المسلحين في كل مكان يرتبط فيه السلاح بالإسلام السياسي.

 

تقييمات الأوضاع الاجتماعية

 

في ظل أوضاع إقليمية مضطربة ومع استمرار هبوط أسعار النفط في الأسواق العالمية، يصبح البحث الطبيعي لدى الإنسان عن الرضا والسعادة في البلد الذي يعيش فيه أمراً عسيراً إذا كان في منطقة الشرق الأوسط/شمال أفريقيا. يتبين ذلك على الأقل من تقريرين دوليين صادرين سنة 2015. أولهما يحمل عنوان “التنمية غير السعيدة: عدم الرضا عن الحياة عشية الربيع العربي”، وهو عبارة عن ورقة بحثية أصدرها البنك العالمي (انظر المقتطفات) تبين أن انتفاضات سنة 2011 كانت مسبوقة بإشارات تدل على انتشار عدم الرضا العام في البلدان المعنية، وأهمها الاستياء من مستوى المعيشة، وسوء ظروف سوق العمل، والفساد. وهذا كله لا علاقة له طبعا بالإسلام السياسي والإخوان المسلمين وغيرهم من الحركات الإسلامية التي ركبت على موجة الغضب الشعبي وأصبحت هي رمز «الديمقراطية» التي طالما شتمتها كجزء من الغرب البغيض.

 ومن المهم أن نشير إلى احتلال دولة قطر المرتبة التاسعة والعشرين (29) في العالم من أصل 159 بلداً، وبنسبة 6.58 في مؤشر متوسط الرضا عن الحياة (ALS) عبر البلدان، 2006-2012. واحتلت المملكة السعودية الرتبة الثلاثين (30)، خلف قطر مباشرة. وسبقتهما الإمارات في المرتبة 18، وعمان في المرتبة 23… وجاءت ليبيا في الرتبة 75، وتونس 93. و في كلا البلدين، حدثت ثورة كبرى أطاحت بزعامة زين العابدين بن علي ومعمر القذافي على التوالي. لكن الرضا لم يتحقق، واستمر السخط، في حين أمسك الإخوان المسلمون بالسلطة في تونس وليبيا، بدعم وتمويل وتشجيع من قطر.

 واحتل العراق الرتبة 112 على الرغم من سقوط صدام حسين منذ اثني عشر عاما، ومجيء «الديمقراطية الطائفية» على ظهور الدبابات الأمريكية. والمنطق يقول إنه لو كان حكم صدام حسين وزين بن علي ومعمر القذافي هو سبب تعاسة العراقيين والتونسيين والليبيين، لكان ينبغي أن تشعر هذه الشعوب بالرضا بعد سقوطهم. إلا أن ما جاء بعدهم بدا أتعس بكثير من الحكم السابق.

وعن البقية، فحدث!

فلسطين احتلت الرتبة 119، ومصر 121، وسوريا 131، واليمن 133. وباستثناء فلسطين، التي نعلم ما هو سبب شقائها، فإن بقية الرتب كافية للدلالة على أن الثورات والاضطرابات والانقلابات لا تحقق الرضا ولا تخرج البؤساء من بؤسهم على الرغم من مضي السنين. وليس معنى هذا الكلام أنه لا ينبغي أن يثور الناس على الطغيان، فقد تكون الثورة عملية ضرورية أحيانا للتغيير والإصلاح. ولكن الأهم هو أن يقودها مصلحون يعملون من أجل المجتمع، لا فاسدين همهم الوحيد الاستيلاء على المناصب ونهب الشعب.

أما التقرير الثاني، فهو صادر عن شبكة حلول التنمية المستدامة لمنظمة الأمم المتحدة بعنوان “تقرير السعادة العالمي 2015” (انظر المقتطفات). والملاحظة العامة هنا تهم تدني ترتيب أغلب البلدان العربية مقارنة ببلدان العالم الأخرى. وقد احتلت قطر في هذا المؤشر المركز الثالث (3) عربياً والثامن والعشرين (28) عالمياً، مباشرة وراء سلطنة عمان (الثانية عربياً و 22 عالمياً)، والإمارات (الأولى عربياً و20 عالمياً) … مع العلم أن دول الخليج العربية تسبق سواها من الدول العربية في الترتيب العالمي. ودون الدخول في تحليل الأسباب (انظر المقتطفات أو التقرير كاملاً في الفهرس)، يمكن أن نلاحظ أن تراجع أسعار النفط ساهم بشكل كبير في تدهور أداء الاقتصادات العربية عامة، فهل انعكس ذلك على ترتيب عدد من البلدان في مؤشر السعادة؟ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب بحثا بمفرده، إذ أن السؤال يفترض وجود رابط بين النفط والسعادة. وهو ما يصعب إقراره، بسبب أن البلدان التي تتصدر المؤشر ليست مصدرة للنفط.

ومن الواضح أن التقدم الاقتصادي والتنمية المستدامة لا يتحققان في أجواء ينتشر فيها الفساد والطغيان، بل يحصل العكس تماماً كما دلت على ذلك ثورات 2011 العربية وثورات أخرى عديدة عبر العالم. ونجد في تقرير مدركات الفساد لعام 2015، الصادر عن منظمة الشفافية العالمية، والذي يغطي 168 دولة حول العالم، أن قطر تفوز بالمرتبة الأولى على رأس البلدان العربية الأقل فساداً والمرتبة 22 عالمياً. وهذا ما يثير العجب فعلا، ويدفع للتساؤل: كيف حصلت قطر على الرتبة الأولى عربيا في حين أنه منذ سنة 2010 تحوم حول هذه الدولة شبهات بإفساد كرة القدم العالمية؟ ودليل ذلك التحقيقات العدلية في فرنسا والولايات المتحدة وسويسرا، وتقرير المدعي العام جارسيا الذي سينشر في 2017، (بعد عامين من صدور تقرير الشفافية)، فضلا عن التحقيقات الصحفية الدولية التي وجهت جميعا إصبع الاتهام إلى قطر على أعلى مستويات الدولة.

ومع ذلك، فمن الأمور الجيدة أن تسجل قطر أدنى معدل وفيات للأمهات في العالم الإسلامي، وهو ما يشير إليه تقرير الصحة في منظمة التعاون الإسلامي سنة 2015. وبحسب التقرير المذكور، بلغ إجمال الإنفاق الصحي للفرد في قطر 1868 دولار، وبذلك تكون نفقات الفرد الصحية في قطر هي الأعلى مقارنة مع بقية بلدان المنظمة. وفي تقرير آخر لنفس المنظمة صدر في 2015 عن “وضع الجنسانية (جندر) ورفاه الأسرة في البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي”، أن المرأة حصلت في كل من قطر وماليزيا على أعلى النسب فيما يخص الفجوة في الأجور بين الجنسين أي 0.81 نقطة، مما يعني أن الفجوة في الأجور بين الجنسين في هذين البلدين هي الأقل مقارنة بباقي البلدان الأعضاء في المنظمة، وهو ما يجعل قطر وماليزيا تحتلان الدرجة الأولى في مؤشر المساواة في الأجور. وهذا كلام لا يدخل العقل أيضا، ولا ندري ما هي معايير منظمة التعاون الإسلامي. وضع المرأة في قطر هو من أسوأ الأوضاع في العالم العربي، وما زال النساء هناك يعانين التضييق، والتمييز، وكل أنواع الاضطهاد التي تبيحها الأيديولوجية السلفية للدولة. وإذا كانت المرأة تحصل على أجر جيد في قطر، فهذا لا يعني أنها في وضع أفضل من المرأة التونسية، أو المصرية، أو السورية، أو اللبنانية، أو الكويتية، أو الإماراتية. من الواضح أن المرأة التونسية مثلا، تتقدم سنوات ضوئية على المرأة في قطر. فهي فعلا حصلت على كل ما حصل عليه الرجال من حقوق. فأين القطرية المقموعة جسما وروحا من أختها التونسية الحرة؟

من ناحية أخرى، تواصلت التعليقات التي تصف السياسة العامة بالتقصير خاصة فيما يتعلق بالأوضاع الاجتماعية للعمالة الوافدة. وهذا ما يتطلب أيضاً أن نتوقف عنده قليلاً.

 اعتبرت منظمة العفو الدولية في تقرير نشرته يوم 27 مايو 2015 أن “التغييرات التي اقترحتها الحكومة غير كافية ولن تكون كفيلة بالتصدي لأشكال الإساءة اليومية التي يتعرض لها عشرات الآلاف من العمال المهاجرين في قطر. وعلاوة على ذلك، فلم تُنفذ أية إصلاحات من تلك التي تعهدت السلطات بالقيام بها…”

وفي تقريرها السنوي، 2015-2016، تحدثت نفس المنظمة عن “وجود مثالب خطيرة تؤثر سلباً على التمتع بحقوق الإنسان في قطر وعلى استقلال وحياد العاملين في النظام القضائي”. وبخصوص حقوق العمال الأجانب، قال التقرير إنهم يشكلون ما يزيد عن 90% من قوة العمل في قطر، ومع ذلك مازالوا يعانون من الاستغلال والإيذاء.

واتجهت منظمة هيومان رايتس ووتش نفس الاتجاه. فقالت في تعليق صادر يوم 8 نوفمبر 2015، “صار قانون الكفالة الجديد، القانون رقم 21 لسنة 2015، يستخدم عبارة “المستقدمين” بدل “الكفيلين”، ولكنه حافظ على الخصائص الاستغلالية الأساسية التي تميّز نظام الكفالة”. واعتبر جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن القانون الجديد “يبعث (…) برسالة مفادها أن قطر غير مهتمة كثيراً بالعمالة المهاجرة، ولذلك يبقى نظام الكفالة القطري وصمة مسيئة لسمعة البلاد على الصعيد الدولي”.

وعادت المنظمة لتأكيد هذه الآراء في تقريرها السنوي، معتبرة أن الاستغلال المرتبط بالأذى يتواصل في قطر ضد العمال الوافدين الذين “يمنعون من الانضمام إلى النقابات أو المشاركة في إضرابات رغم أنهم يشكلون 99% من القوى العاملة في القطاع الخاص، كما يقيمون غالباً في أماكن مكتظة وغير صحية…”

خلاصة القول

 

يبدو من الواضح أننا إذا تركنا جانبا الأداء الاقتصادي والتنموي القطري، الذي لا يحتاج لأكثر من توفر رأس المال، وهو وافر، والتفتنا إلى المجتمع، نلاحظ استمرار التنديد بقانون العمل واعتبار الإصلاحات غير كافية، لسبب بسيط، وهو أن المعايير التي يقيم بها الأداء القطري هي المعايير المطبقة في الغرب، حيث قوانين العمل مفروضة تقريباً من طرف النقابات العمالية وأحزاب اليسار… ما لا وجود له في قطر إلى اليوم.

أما على الصعيد السياسي، فإن تواصل الانتقادات الموجهة إلى قطر واتهامها بسياسات تشجع سيطرة الإسلام السياسي أكثر من سيادة الديمقراطية، لا ينفي أن العديد من الكتابات السياسية حول الخليج العربي، اتجهت أيضا نحو السعودية معتبرة أنها تتحمل مسؤولية كبرى تجاه استمرار بعض الاضطرابات والقلاقل الأمنية- بل وتجاه تنظيم داعش أيضاً -، وأنه تحت تأثير المملكة اكتست الصراعات المحلية والإقليمية طابعاً ينزع نحو الطائفية بشكل حاد. وفي هذا السياق، كان قبول قطر إصلاح ذات البين وترتيب البيت الخليجي، بالتوقيع على اتفاق الرياض الثاني، تكتيكا سياسيا ذا فائدة كبرى للدولة. فقد حققت على المدى القصير الأهداف التالية:

  • أبعدت قطر عن الواجهة، فلم تعد جميع الأضواء مسلطة عليها.
  • أعادت بعض الثقة إلى نفوس الخليجيين الذين غدوا يرتابون في مؤسساتهم.
  • صححت وضعاً مختل التوازن داخل مجلس التعاون، كان الجميع في غنى عنه، على الرغم من أن ذلك لن يدوم كما نعلم.
  • كسبت وقتا ثمينا، ريثما تعيد ترتيب تحالفاتها، ولا سيما مع تركيا، التي وقعت معها اتفاقية عسكرية ستتبين أهميتها لاحقا.

 

بدت السياسة القطرية بعد ذلك مباشرة (وريثما تكسب الوقت) أكثر حذراً في تعاملها مع الإخوان المسلمين، في الوقت الذي برزت فيه السياسة السعودية أكثر تأكيدا للذات مما كانت عليه في الماضي، حتى راح البعض يصفونها بالتهور، ويتساءلون إلى أين ستؤدي.

وحين عادت السعودية إلى مقدمة الأحداث، سلطت عليها الأضواء في اليمن وسوريا ولبنان… واعتبرت هي من يحرك بعض الأحداث والمجموعات المزعجة. بمعنى آخر، توارى الخلاف القطري – السعودي الذي كان يعتبر مخلاً بالأوضاع الأمنية في الإقليم وعنصراً دافعاً للتطرف السني والتغول الإيراني، وبرز الصراع السعودي – الإيراني بصفته تارة نزاعاً طائفياً (سنياً/شيعياً)، وتارة أخرى نزاعاً حول السيطرة في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن أضعف الصراع الداخلي كلاً من مصر والعراق وألهاهما عن السعي إلى الزعامة.

 

كلمة عن المنهج

 

كالعادة من الناحية المنهجية، تم جمع الأوراق والمقالات المنشورة عن دولة قطر عام 2015 من مختلف المصادر المفتوحة، وعدد آخر من المصادر المغلقة، التي تمكن الباحث من الوصول إليها. و تم تبويبها في صنفين: أوراق مخصصة لقطر، وأوراق تتحدث عن قطر ضمن قضايا مبحوثة أو في علاقة مع بلدان أخرى. وتم تصنيف الأوراق بالطبع تحت أسماء المؤسسات التي صدرت عنها، وفي فترة زمنية تبدأ في يناير 2015 وتنتهي في ديسمبر 2015. ومع عملية الرصد، سنقدم إذن، مقتطفات وجيزة من الأوراق، مع الإشارة في القائمة الكاملة للأوراق المرصودة إلى مواقعها عبر روابط إلكترونية، عندما تتوفر. إن بعض هذه الروابط لن يعمل لأن هذا الكتاب لم يكن موجها للجمهور الواسع في الأصل، وإنما لأشخاص معدودين في دولة قطر، يمكنهم الوصول إلى تلك الروابط المذكورة. وقد تم التصرف في ترجمة الفقرات المنتقاة أو عرضها، بحيث لم نقدم مقالات أو تقارير كاملة، وإنما أجزاء فقط، وعلى من يروم الاستزادة أن يطالع فهرس الأوراق المرصودة وروابطها.

وقع تقسيم هذه الأوراق حسب مصادرها، وهي كالتالي:

  • منظمات إقليمية ودولية حكومية.
  • منظمات إقليمية ودولية غير حكومية.
  • مؤسسات بحثية من مختلف بقاع العالم.
  • مؤسسات بحثية من الولايات المتحدة الأمريكية.
  • دوريات أكاديمية ومجلات ذات تأثير.

ويتضمن التقسيم الداخلي صنفين: (أ) مواضيع خاصة بقطر. (ب) مواضيع تتحدث عن قطر في سياق حديثها عن قضايا معينة أو بلدان أخرى.

 

الكتاب متوفر الآن في متجر كتب موقع آمازون في بلدان أوروبا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا والهند واليابان والعالم العربي. اطلبه الآن.