19 May، 2022

أوراق الدكتور هشام القروي Dr.Hichem Karoui Papers

راقب أفكارك، لأنها تتحول إلى كلمات. راقب كلماتك، لأنها تتحول إلى أفعال. راقب أفعالك، لأنها تتحول إلى عادات. راقب عاداتك، لأنها تكون شخصيتك. راقب شخصيتك، لأنها تحدد مصيرك

قطر في مراكز البحوث والمنظمات الإقليمية والعالمية – الجزء الأول: 2013

سلسلة قطر في عيون الآخرين (2013-2020)

لاقتناء هذا الكتاب من موقع آمازون ، اضغط هنا

 

كلمة لا بد منها

 

من 2013 إلى 2020، شغلت منطقة الخليج العربي أزمتان دبلوماسيتان دفعت بالعلاقات بين قطر وكل من السعودية والإمارات والبحرين ( فضلا عن مصر) إلى الحضيض. خلال هاتين الأزمتين، كنت أشغل منصبا استشاريا في المعهد الدبلوماسي بوزارة الخارجية بالدوحة. وكنت بالتالي في مكان يتيح لي الاطلاع على الأزمة وطريقة إدارتها من الداخل. والله يعلم أنني حاولت جهدي أن أدفع القطريين إلى مراجعة النفس وإعادة التفكير في سياستهم التي أثارت سخط العرب (وأنا منهم) ضدهم. دون جدوى!

إلا أن العرب لم يكونوا الوحيدين الذين سخطوا على قطر، الثرية والغبية. كان هناك أكثر من طرف في الواقع… بدءا من العمال الآسيويين والأفارقة، ومرورا بالجاليات العربية، وهؤلاء جميعا كانوا ولا يزالون في أوضاع سيئة للغاية، تدل عليها الجمعيات والمنظمات الحقوقية خارج قطر. ووصولا إلى المراقبين والسياسيين الغربيين وسواهم.

وقد عملت منذ التحاقي بالمعهد الدبلوماسي القطري على متابعة كل ما يصلني من كتابات تتعلق بقطر، وهذا التقرير الذي أضعه اليوم بين أيدي القارئ، يجمع العديد من تلك الكتابات، ويترجم مقتطفات منها. والقصد من نشره اليوم، وقد تصالح الخليجيون ومصر مع قطر في قمة العلا، هو التذكير بأشياء، منها:

  1. أن العرب لم يكونوا أول من أشار إلى عيوب السياسة القطرية وازدواجيتها واتهموا قطر بدعم وتمويل الإرهاب، وإنما سبقهم الغربيون.
  2. أن الغربيين الذين كانت ولا تزال لديهم مصالح كثيرة في قطر، تعاملوا معها دون اضطرار للمقاطعة، وهم على علم تام بما فعلته وتفعله أيدي قطر غير البيضاء في مختلف بقاع العالم.
  3. أن القطريين كانوا على علم تام بتلك الاتهامات الغربية والعربية، ولم يمنعهم ذلك من الاستمرار في نفس السياسة، وهم واثقون أنه لو أراد أي كان تغيير سياستهم، فعليه أولا أن يغير النظام. وهو ما لم يقدم عليه الغربيون المتضررون من التيارات الإسلامية المتطرفة، حفاظا على مصالح شركاتهم الكبرى، وعلى الاستثمارات القطرية الضخمة.
  4. أن المسألة الاقتصادية في الأزمات المتكررة مع قطر تغلبت على المسائل السياسية، في ردود الأفعال تجاه ازدواجية قطر وتلاعبها وألاعيبها.
  5. وأخيرا، فإنني مقتنع بأن قطر لن تغير سياستها، إلا عن طريق تضحيات كبرى، تدفع إليها دفعا. ولن تفعل ذلك فقط إذا ضغط عليها العرب. وإنما إذا تظافرت جهود العرب والغربيين، سيدرك المسؤولون القطريون خطورة ما يقدمونه من دعم كبير للإسلاميين.

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الكتيب إنما هو الجزء الأول في سلسلة تابعت الأزمة القطرية المتكررة عاما بعام،  وستأتي البقية بحول الله…

د. هشام القروي

19 أيار /مايو 2021

 

 

تقديم

 

يعرف علم الاجتماع السياسي خطاب السلطة بأنه موجه فقط للإشادة بالإنجازات التي تمت والتغافل عن نقاط الضعف والأخطاء. ويعرف خطاب المعارضة بأنه موجه فقط لانتقاد السلطة وإنجازاتها، مهما كانت، والتقليل من قيمتها، والمبالغة في إظهار نقاط الضعف والأخطاء، والإشادة بمشاريع المعارضة في المستقبل، والتغافل عن أخطائها ونقاط ضعفها. ليس هناك استثناء معروف في هذا النموذج المعياري للسلوك السياسي. إنه نموذج عام ينطبق بهذه الدرجة أو تلك على الدول جميعاً، بأنواعها وأنظمتها المختلفة، جمهورية وملكية، أوتوقراطية وديمقراطية، ليبرالية وثورية ومحافظة.

ما نقدمه هنا هو نماذج مما قاله خبراء غير قطريين عن سياسة قطر عام 2013 (العام الذي سبق أزمة سحب السفراء العرب من الدوحة).  

ولكن القارئ سيجد في آراء أولئك الخبراء وتحاليلهم للسياسة القطرية الموقفين  المذكورين آنفا معاً: الدفاع عن إنجازات دولة قطر ونقدها، بل قل: وانتقادها.

 لماذا أقدم  التقرير بهذا الشكل الذي يحوي وجهتي النظر، “الداعمة”، والمعارضة؟

لأنني باحث في العلوم الاجتماعية، ولست معارضا قطريا، أي أنني أرى مهمتي على نحو حيادي، يتيح لي أن أكون موضوعيا، بلا أحكام مسبقة. بطبيعة الحال، لا أخفي أنني من الناحية السياسية، أرى الإسلاميين يمثلون أكبر خطر على عالمنا، وليس على العالم العربي فقط. والإسلاميون هم الطرف الذي اختار حكام قطر أن يدعموه ويحموه. وهذا خيارهم، وسنرى أصداءه في الكتابات الصادرة عن مراكز الأبحاث المختلفة عبر العالم.

وهكذا، أعتقد أن تقريرا عن قطر أو أي بلد آخر لا يرى منها سوى السلبيات، هو تقرير أعمى، وفي أفضل الأحوال أعور. ليس هناك شر مطلق، ولا خير مطلق في الأعمال الإنسانية. ونحن بحاجة إلى تقارير وكتابات مبصرة، متبصرة، لا عمياء، تنهشها العواطف، ويغيب عنها العقل.

سيكون هذا التقرير أولاً، مرجعاً لجميع المهتمين بقطر ومنطقة الخليج العربي، بما في ذلك أجهزة الدول (ومن بينها قطر)، والجامعات، ومراكز البحوث والمعاهد المتخصصة، والإعلام. وسيكون ثانياً مفيداً لصناع القرار وراسمي السياسات، من حيث أن التقارير تتناول جوانب متعددة من نشاطات هذه الدولة وخططها وبرامجها في الداخل والخارج. وسيكون ثالثاً، مساعداً للأساتذة والباحثين المختصين والصحفيين والطلاب. وسيكون أخيراً وليس آخراً، مفيداً لرجال الأعمال والمستثمرين، الذين يهمهم الشأن القطري وصورة هذه الدولة وأحوالها في الداخل والخارج.

والغاية من هذا المجهود تبقى طبعاً التعرف على أوجه القصور، و الأخطاء، وفهم النقد  ومصادره وأسبابه.

إن التاريخ الحديث لمنطقتنا، وكذلك تجارب دول مختلفة عبر العالم، فضلاً عن المبادئ والقيم العامة الموجهة لسياسات الدول، كان ينبغي أن تقود قطر إلى انتهاج سياسات مختلفة، لا سيما بعد أن وصل إلى الحكم أمير شاب.

 و قد اخترت التذكير  في بداية هذا التقرير بما قاله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطاب توليه في 26 يونيو 2013، حيث وعد بالتزام “سلوك يبتعد عن الفكر النمطي والتقليد الجامد، بحيث يكون أكثر مرونة واعتدالاً وتواضعاً.” كما أشار في نفس الخطاب إلى ضعف الانسان أمام المديح والاطراء اللذين يسببان الغرور، بما يجعل المسؤول السياسي يتخلى عن الاتزان والموضوعية، فيختل حكمه على الأشياء. والغرور أكبر مصيبة تنزل بالمرء – وإذا كان مسؤولاً عن غيره فهي تتضاعف بعدد الأفراد تحت مسؤوليته. قال عز وجلّ {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ. قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} (ص: 75-76). فالغرور هو سبب طرد إبليس من الجنة. ويتبين أنه من وحي إبليس كذلك {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} (ص: 82).

إننا في هذا التقرير السنوي الأول نأخذ في الاعتبار أن قيمة العمل الانساني تكمن في الفائدة التي يجنيها الآخرون منه. فكلما اتسعت دائرة الفائدة، متجاوزة صاحب العمل، كان العمل موفقاً.

وأملنا أن يدرك كل قراء هذا التقرير أهمية المراجعة السياسية، حتى لا يقع المسؤولون في فخ الغرور.

القسم الأول:

 منهج العمل وإطاره

 

 

  يتمثل هذا المشروع العام الذي أسميناه (قطر في عيون الآخرين : 2013-2020) في رصد ومتابعة التقارير والمقالات والأوراق البحثية الصادرة كل سنة، وموضوعها دولة قطر (سواء بشكل تخصيصي أو بالارتباط مع قضايا الخليج والمنطقة)، المكتوبة من طرف خبراء وأكاديميين والتي تبنتها أو نشرتها منظمات إقليمية أو دولية حكومية وغير حكومية أو مؤسسات بحثية أو مجلات أكاديمية. إلا أن عملية الرصد والمتابعة هي في النهاية وبالضرورة انتقائية، بما يعني أننا لا نقدم كل ما نشر، ولا ندعي كذلك أنه أهمه، بالرغم من أن عدداً من الأوراق المرصودة في هذا التقرير تتحلى فعلاً بالنزاهة والجودة العلمية العالية. ولكن كما في كل عمل بحثي ، فإن عملية الرصد والفرز انتقائية وخاضعة في جانب منها للاهتمامات والمصادفة، لاسيما وأن الأمر يتعلق بمئات المؤسسات عبر العالم، وكمّ هائل من الإنتاج. وكون هذا التقرير هو منتوج شخص واحد، لا يعني أنه بالضرورة خاضع لميول سياسية، أو توافقات أيديولوجية، أو إملاءات أو ضرورات إعلامية. فالهدف واضح إذن، ولا يمكن أن يساهم الباحث في عرض صورة موضوعية إذا قدم مادة منقوصة، غير متوازنة، أو غير متطابقة مع الواقع. أو بعبارة أخرى: غير جادة. فكل عمل بحثي لا يعتمد المعايير الموضوعية هو بالضرورة غير جاد.  

معايير التقييم

 

في بداية عملية الرصد، أخذنا من الشرق والغرب، من اليمين واليسار، ومن مختلف المؤسسات بغض النظر عن ميولها واتجاهاتها الأيديولوجية والسياسية، طالما أن الموضوع له علاقة بقطر. ووجدنا أن التقارير والأوراق المرصودة تعبر عن آراء متنوعة، وأحياناً متناقضة، إزاء سياسات قطر. وهو أمر طبيعي تماماً.فالآراء تختلف وتتنوع، باختلاف الناس وتنوع اتجاهاتهم وميولهم. ويكفي مطالعة الصحف لإدراك ذلك. ولكن لاحظنا أنه مع المرور من مجال مراكز البحوث والدراسات “المستقلة”، إلى مجال المنظمات الاقليمية والدولية، تختلف معايير التقييم.فأغلب هذه المنظمات الأخيرة تعتمد في تقديراتها مناهج العلم التجريبي المبنية على البيانات الكمية. إنها عمليات مبنية على حسابات يقوم بها مختصون في علوم الاحصاء والاقتصاد والاجتماع الكمي، بحيث يضيق فيها (ولا نقول يغيب) مجال التلاعب السياسي، لأن هذه المؤسسات لا تعتمد خبراء على أساس تجربتهم السياسية أو الحزبية، وإنما فقط خبرتهم العلمية. أما آراؤهم السياسية، فيمكنهم الاحتفاظ بها لأنفسهم. فهي لا تختلط أبداً بتقارير هذه المؤسسات الرسمية، التي تعتمدها كافة دول العالم، وتدخلها في حسابها لدى قيامها بالتخطيط ولدى صنع القرار. ولكن يختلف الأمر مع مراكز البحوث والدراسات – حتى من تعلن أنها مستقلة. فالواقع أن عدداً منها يرتبط باتجاهات وميول حزبية وأيديولوجية، أو بشركات صناعية وتجارية، أو بتمويلات، وبعبارة واحدة، بشبكة من المصالح التي لا تكون دائماً معلنة. وبما أن تلك المراكز تخضع في تمويلها لتلك المصالح، فلا يمكن القول إنها تتمتع دوماً بالاستقلالية والموضوعية والنزاهة العلمية. بيد أنها تتفاوت على هذا المستوى. فمنها من يتمتع بشبه استقلالية مالية، وقد صنع لنفسه مصداقية وسمعة طيبة بسبب حرصه على تقديم جودة المنتوج على بقية الاعتبارات. ومنها من يخوض معركة سياسية من موقع التيار المحافظ أو التيار الليبرالي أو التيار اليساري، الخ… ولا يخفي ذلك. وكل هذا يؤثر في المنتوج الخاص بتحليل السياسات.ويبدو أنه كلما صعدنا درجة أو درجات في سلم التقييم العلمي، مبتعدين عن “الرأي الانطباعي”، لنطلع على تقديرات تعتمد معايير العلوم الاجتماعية ومناهجها الدقيقة، وجدنا النتائج تتقارب، وتقريباً تتفق على وضع دولة قطر في مصاف متقدم كثيراً مقارنة مع دول أخرى نامية أو حتى دول صناعية عريقة. وحتى عندما نلتفت نحو مراكز التفكير والبحوث والدراسات  think tanksالمهتمة بشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي (ولم نستعرض في هذا التقرير الأول مراكز البحوث العربية باستثناء بعض المنظمات الإقليمية كالجامعة العربية، وسنضيفها مستقبلاً)، فإنها تغدو أكثر موضوعية في آرائها وتقديراتها بقدر ما تبتعد عن الجدل الإعلامي والمهاترات السياسية ذات الطابع الأيديولوجي. ويتضح هذا الأمر أكثر في المجلات الأكاديمية المحكمة البعيدة عما يدور من جدل في الساحة الإعلامية. لكن من الواضح أن مراكز البحوث والدراسات لا تعيش منقطعة عما يحدث في الساحتين السياسية والإعلامية، فهي تشجع باحثيها وخبراءها على التعاطي مع الإعلام. وقد بدأت هذه “الموضة” في الولايات المتحدة، ثم شاعت في بقية العالم الغربي، ووصلت إلى العالم العربي.حق الاختلافنحن نحترم الرأي الآخر، ونعتبر أن من حق الآخرين أن يختلفوا معنا وأن يعبروا عن ذلك في إطار الاحترام والقانون، ولكننا بالمقابل لسنا مضطرين لنقل ما يقولون كلياً أو جزئياً، والمقتطفات التي ننقلها هنا دالة على شيئين: أولاً، وجود نقاش واسع حول قطر وسياساتها سبق الأزمة الأولى في الخليج (2013-2014) التي انتهت بتوقيع اتفاقيتي الرياض والتزام قطر بالتخلي عن الإخوان المسلمين والتخلي عن دعم الإرهاب بتمويل التطرف الإسلامي وعدم التدخل في السياسات الداخلية للدول الأخرى. وثانياً، أن أطراف هذا النقاش يقفون مدافعين عن بعض السياسات أو منتقدين لها، وهذا الانقسام بحد ذاته بين ملاحظين غير قطريين – وبعضهم متمرس بالسياسة وخبير بشؤونها – دال على عدم وجود تأويل واحد أو طريقة واحدة لفهم سياسات قطر. والمحصل في النهاية، أنها اجتهادات بشرية تخطئ وتصيب. وكذلك هي السياسة وفهمها.

ومن ناحيتنا، عندما أردنا أن نقوم بهذا العمل المتمثل في “مراقبة المراقبين”، وجدنا أنفسنا أمام خيارين:

  • أن ننقل بعض الآراء التي قد نختلف معها حرفياً، ثم ندخل معها في نقاش، ونوضح ما يجهله أو يتجاهله أصحابها. ولكننا هنا لسنا في منطق إعلامي، ولا نخوض معركة مع أحد، وإنما نحن في منطق بحثي علمي.
  • أن نترك تلك الآراء والتقييمات جانباً، وأن نواصل مسيرتنا اعتماداً على أبلغ ما وصلنا من تقديرات نزيهة وتحاليل علمية وآراء معتدلة. ولكننا بذلك نكون كمن يقصي الرأي الآخر، في حين أننا دعاة حرية وتسامح وإدماج.

اخترنا اتجاها ينبني على الصدق مع الذات ومع الآخرين، وتبني الرأي والرأي المخالف.

ما يشمله التقرير

نحن نعيش في عالم معقد، عالم متشابك، عالم ينتشر فيه الخبر (أو الإشاعة) بسرعة البرق… أياً كانت درجة مصداقيته. ونحن لا يمكن أن نحلل كل ما ينشر ويقال عن دولة قطر. ولسنا معنيين كذلك بالرد على كل ما هب ودب. وبالمقابل، سواء أكانت بعض التقييمات صادرة عن مؤسسات كبيرة أم أشخاص لهم تأثير، فإن التحليل الموضوعي والمقارن لبعض النماذج والفرضيات يمكن أن يظهر خطأها من صوابها، حقيقة ما تقول وحقيقة ما تخفي. وهذا ما يجعل الباحث المتخصص والقارئ بشكل عام على بينة مما يقع. لا بل إن وضعها جنباً إلى جنب مع آراء أخرى تناقضها كلياً أو جزئياً، يظهر حقيقة أن لا أحد يملك الحقيقة، وأن الأمور كلها نسبية، وأن ما يبدو اليوم خطأ قد يكون غداً صواباً، والعكس صحيح.

لم نرغب أن يشمل هذا العمل المقالات الإعلامية تحديداً (لا نقصد بذلك المنشورة في الصحف، وإنما المكتوبة خصيصاً من طرف صحفيين مهنيين لوسائل الإعلام). ولكن عملنا هذا يشمل مقالات نشرت في الصحافة، بأقلام أساتذة وخبراء كتبوها لحساب منظماتهم ومؤسساتهم البحثية أو باسمها، وقد أشارت إليها على مواقعها الالكترونية.

كذلك، هناك مشكلة لغوية اعترضتنا، تخص رصد الأوراق التي نشرت بلغات أخرى غير الإنجليزية والفرنسية، وهو ما يحد من شمولية البحث. معلوم أن أغلبية بلدان العالم تنتج بحوثها ودراساتها بلغاتها القومية، وهناك من يترجم شيئاً من هذا الإنتاج إلى اللغة الإنجليزية واسعة الانتشار. وقد رصدنا ما توفر  بهذه اللغة. أما اللغات الأخرى (ومن بينها الفارسية والتركية والعبرية والألمانية والاسبانية والصينية واليابانية…)، فنحن واعون أنها تستوجب مجهودات إضافية في المستقبل.

المنهجية

لقد قمنا بجمع الأوراق والمقالات المنشورة عن دولة قطر عام 2013 من مختلف المصادر المفتوحة. ثم قمنا بتبويبها في صنفين: أوراق مخصصة لقطر، وأوراق تتحدث عن قطر ضمن قضايا مبحوثة أو في علاقة مع بلدان أخرى. صنفنا الأوراق بالطبع تحت أسماء المؤسسات التي صدرت عنها، وفي فترة زمنية تبدأ في يناير 2013 وتنتهي في ديسمبر 2013. مع عملية الرصد، سنقدم إذا  مقتطفات وجيزة من الأوراق، مع الإشارة في القائمة الكاملة للأوراق المرصودة إلى مواقعها عبر روابط إلكترونية (بعضها لن يعمل للأسف! ولكن ذاك هو الإنترنت). وقد تصرفنا في ترجمة الفقرات المنتقاة أو عرضها، بحيث لم نقدم مقالات أو تقارير كاملة، وإنما أجزاء فقط، وعلى من يروم الاستزادة أن يطالع فهرس الأوراق المرصودة وروابطها.

وقع تقسيم هذه الأوراق حسب مصادرها، وهي كالتالي:

  • منظمات إقليمية ودولية.
  • مؤسسات بحثية من مختلف بقاع العالم.
  • مؤسسات بحثية من الولايات المتحدة الأمريكية.
  • مجلات أكاديمية.

ويتضمن التقسيم الداخلي صنفين: (أ) تقارير عن قطر. (ب) في علاقة مع قضايا وبلدان أخرى. ويشمل الصنف (أ) أوراقاً مخصصة لدولة قطر. ويشمل الصنف (ب) أوراقاً كتبت عن قضايا أو بلدان أخرى ووقع ذكر قطر فيها عديد المرات.

ملاحظتنا الأخيرة تهم تخصيص قسم لمؤسسات الولايات المتحدة البحثية، عوض أن تكون مشمولة في “مختلف بقاع العالم”. ليس في ذلك أي تمييز، وإنما هو فقط مراعاة لعددها: كونها تتجاوز كمياً أية منطقة أخرى من العالم، إضافة إلى أنه كانت للولايات المتحدة الأسبقية في ما يسمى اليوم “صناعة مراكز التفكير”.

 

بعض الإشكاليات في السياسة القطرية

 

“إنني أختلف معك في الرأي، لكنني مستعد لتقديم حياتي من أجل حقك في التعبير عنه”. (فولتير)

دخلت دولة قطر يوم الخامس والعشرين من يونيو 2013 عهداً جديداً، باستلام الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ، مقاليد السلطة من والده، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. تمّ ذلك في أوج التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة العربية، والتي أطلق عليها الملاحظون تسمية: الربيع العربي. كان انتقال السلطة في قطر، بسلاسته ومرونته، مدهشاً للملاحظين في كل مكان (انظر الأوراق المرصودة). فقد بدا في تناقض صارخ مع الصراعات الدموية حول السلطة التي تحدث في الوقت نفسه في المنطقة العربية. صراعات تجلت أحياناً عن نتائج رهيبة وفظائع جعلت منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والقوى العظمى تبدو جميعاً عاجزة.

لعل هذا التناقض المدهش هو ما جعل حدث انتقال السلطة في قطر يظفر باهتمام الكتاب والباحثين في عدد كبير من الدول عبر العالم. وقد تعددت الآراء وتنوعت، ونحن لا نستعرضها جميعاً، ويمكن للقراء والباحثين والمهتمين بهذا الشأن أن يتفحصوا الأوراق المرصودة. وبالرغم من أننا لا نتبنى أيّاً منها، فقد رأينا فائدة في جمع نماذج منها وتقديمها للقراء في شكل روابط.

إن بعض هذه الآراء يعبر عن حسّ دقيق يؤطر الحدث في سياقه التاريخي. وبعضهم يرى في الخطوة مسألة مثيرة للجدل، لاسيما وأنها حدثت في زمن اتسم بالاضطراب والثورات في المنطقة العربية.

الحقيقة أن الأحداث التي بدأت تترى منذ 2011 لم تغير بعض الأنظمة وحسب، وإنما غيرت أيضاً من طبيعة الخطاب السياسي والاتصالي السائد في كامل المنطقة العربية، أو على الأقل مارست تأثيراً مهماً عليه. وبأية حال، فإنه لا يمكن إخفاء أن إدراكنا للعالم الذي حولنا أصبح مختلفاً. ومن يتصور أن إدراكه للواقع لم يتحول أو يتأثر بعد الثورات العربية، وأن العالم لا يزال ثابتاً كما هو، فهو إذن في وضع لا يحسد عليه.

“قناة الجزيرة”: الوخز بالإبر دون علاج

تشير العديد من الأوراق المرصودة في هذا التقرير إلى ما فعلته قناة “الجزيرة” بالمشهد الإعلامي (وبالتالي، بخطاب الاتصال السياسي) في العالم العربي. بيد أن عدداً من الكتّاب يقرنون “الجزيرة” بالسياسة الخارجية القطرية، سواء في ما يعتبرونه نجاحاتها أو إخفاقاتها، بغض النظر عن صحة أو خطأ هذا الرأي. ومنهم من اعتبر “الجزيرة” أحد أهمّ إنجازات الأمير حمد. مثال ذلك ما كتبه أحد محللي المعهد الملكي لدراسات الدفاع والأمن، قائلا: ” (…) كان إرث الأمير حمد إرثاً غير عادي (…) وباتت قطر أكبر مورد في العالم للغاز الطبيعي المسال (LNG) ؛ وبدأت ثورة الإعلام في الشرق الأوسط من خلال تأسيس قناة الجزيرة؛ وأصبحت قطر واحدة من أكبر المستثمرين البارزين في العالم؛ وانضاف إلى ذلك دعمها الفعال مؤخراً للربيع العربي (…)”([1]).

وما لاحظناه في عدد من الكتابات هو هذا الخلط الذي لا يفاجئ أحدا بين “الجزيرة” والسياسة الخارجية للدولة التي تملكها وتمولها. وهو ما لا  يمكن أن يحدث في الغرب، حيث التقاليد الديمقراطية راسخة. فأنت لا تخلط بين “بي بي سي” والحكومة البريطانية، أو بين “سي إن إن” وأي إدارة أمريكية. لكن في قطر، لا مفر من الحدث عن “الجزيرة” كذراع إعلامي لوزارة الخارجية القطرية.

في أحد تحاليل “شاتهام هاوس” (المرصودة في هذا التقرير)، تعترف الباحثة بالنجاح الذي تحقق لشبكة الجزيرة. وتعتبره نجاحاً للدبلوماسية العامة القطرية، التي تراها داعمة للسياسة الخارجية القطرية. فتكتب: “إن الركائز الأساسية في هذا الجهد تتمثل في مشاركات قطر في المساعي الثقافية والتعليمية رفيعة المستوى؛ والمساعدات الإنسانية؛ وشبكة الجزيرة. وقد حققت الركائز الثلاث نجاحاً واسعاً في كسب القلوب والأذهان، ولكن كلا منها (ولاسيما الثانية والثالثة) تحمل تحديات خاصة”([2]). ومن بين هذه التحديات، تقول الباحثة: “إن احتضان الجزيرة المتحمس للانتفاضة السورية ضد نظام الأسد، قاد القناة في بعض الأحيان إلى بث تقارير غير دقيقة ولقطات غير مؤكدة أو وهمية. وهذا ما ألحق الضرر بالمعارضة السورية بدلاً من مساعدتها في كفاحها من أجل الاعتراف الدولي (…)([3]) وفي هذا السياق، تأخذ الباحثة على السياسة الخارجية القطرية “انحيازها” للثورات العربية، “مما أدى إلى تخلي قطر عن الوساطة لصالح المزيد من الانخراط في العمل المباشر”. وتعزو ذلك إلى أن السياسة الخارجية “لا تبدو مستندة إلى استراتيجية سياسية متماسكة” ([4]).

ونقرأ أيضاً من بين آراء محللين آخرين، مرصودة في هذا التقرير، ما يلي: “(…) ومن خلال قناة الجزيرة الفضائية العربية، وتنمية عدد من الشركاء في جميع أنحاء العالم العربي، أصبحت قطر أيضاً قوة إقليمية (…)” ويرى الباحث أن “انخراط قطر الغريب على الساحة الدولية [كان] حافلاً بالتناقضات والمخاطر (…) فمن خلال ممارستها الملاكمة في وزن يفوق وزنها، وانخراطها في منازعات أبعد من حدودها، ودعمها جماعات إسلامية مثل الإخوان المسلمين في مصر، نفّرت قطر العلمانيين العرب (…)”([5]).

ويذهب في الاتجاه نفسه تقرير آخر، فيقول: “بدت قطر عازمة على شق طريقها ولعب دور أكثر جرأة ونشاطاً مع إنشاء قناة الجزيرة الفضائية. وعلى الرغم من كونها دولة صغيرة جداً، فقد استخدمت ثروتها وقواتها المسلحة للتأثير على التطورات في حالات مثل ليبيا وسوريا”([6]). ويضيف الكاتب أن “نسبة مشاهدة قناة الجزيرة قد انخفضت خلال العام الماضي، وهو ما قد يكون نتيجة لما يعتبر دعماً من طرف القناة لجماعة الإخوان المسلمين ذات الشعبية المتدهورة على نحو متزايد في مصر(…)”([7]).

ويقول تقرير آخر: “شهدت قناة الجزيرة، وهي أداة رئيسية للقوة الناعمة القطرية، تقلص عدد مشاهديها في جميع أنحاء المنطقة العربية، وبسبب تقاريرها المنحازة أحياناً ظلت الانتقادات تنهال بأن سياسات قطر إنما تخدم مصالح حلفائها القدامى والجدد (…)([8]).

وترتبط جميع المؤاخذات ضد قناة الجزيرة تقريباً بما يعتبره أصحابها دعما قطرياً رسمياً للإخوان المسلمين ومنظمات الإسلام السياسي القريبة منهم. وهم غالباً ما يوحون بأن “الجزيرة” تمثل السياسة الخارجية القطرية.

والملاحظة الأساسية هنا هي أن “الجزيرة” مارست منذ سنوات سلوكاً إعلامياً جعلها تكسر القواعد الإعلامية المتبعة في معالجة القضايا الحساسة، وهذا ما أثار ضدها الجميع، وانتهى الأمر إلى المطالبة بقمع “الجزيرة” كمشروع للإعلام الموجه  (غير الحر) يسيطر عليه الإسلاميون.

وقد قرن المراقبون “الجزيرة” بالثورات العربية التي ركبها الإسلاميون مدعين أنهم ضحايا “الدكتاتورية”، وقلة من أدركوا أن ما حدث في2011، كانت له إرهاصات في السنوات السابقة.

  وما هو معلوم أن الانتقادات الموجهة لقناة الجزيرة الفضائية ليست جديدة، وكذلك هو الحال للآراء التي تؤكد أن السياسة الخارجية القطرية “تنفّذ” من طرف القناة.

أخيرا، فقد حرصنا على أن يكون التقرير السنوي عن “قطر في المنظمات الاقليمية والدولية ومراكز الأبحاث” معبراً عن معظم اتجاهات الرأي في ما يخص سياسات قطر في العام المدروس. ونحن بعد هذه المقدمة نكتفي باستعراض اتجاهات الرأي والنظريات والطروحات المختلفة، ونتركها تتصارع جنباً إلى جنب، بشكل ديمقراطي. وحسبنا أن نشير إلى الفروقات والاختلافات، ونتساءل حول معانيها وأبعادها، انطلاقاً من وعينا بأننا نعيش في عالم معقد، وأن الآراء غالباً ما تعبر عن مصالح معلنة أو مخفية، وأن  البحثي كالعمل السياسي، كلاهما يقتضي لنجاحه إدراك تعقيدات الواقع العالمي وفهمها.

أنواع من الالتباسات

إن ما يمكن أن يقع فيه بعض الباحثين في السياسة الخارجية يتعلق غالباً بالموقف إزاء الثورات العربية ونتائجها. ومن الملاحظ أن الالتباس غالباً ما ينشأ من سببين:

أولهما معرفي، وهو الأخطر، لأنه قد ينتج عن تشويه في الإدراك سببه الأفكار الجاهزة والأحكام المسبقة والأنماط السائدة. ينبغي أن يكون لدينا من النزاهة ما يكفي للاعتراف بأننا جميعاً قد نقع ضحية لهذا الخطأ، فهو غالباً في اللاوعي. وكما نعلم، فإن المقدمات الخاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة.

والسبب الثاني يتعلق ببنية الاتصال نفسها: فإما أن يكون الالتباس ناتجاً عن عدم وضوح في الرسالة من مصدرها، وإما أن يكون ناتجاً عن عدم اتجاه المتلقي (سواء أكان باحثاً أم إعلامياً أم غير ذلك) إلى المصدر الأولي (صاحب القرار أو صانع السياسة)، والاكتفاء بمصادر ثانوية (تقارير إعلامية، أخبار غير مؤكدة أو إشاعات، تسلسل في النقل حلقته الأولى مفقودة أو وهمية أو مصدرها ثانوي أيضاً).

لن نقدم دروساً في مناهج البحث العلمي، ولكن من المهم التذكير بهذه الحقائق، لأن الباحثين أنفسهم يعرفونها ويعرفون خطورتها.

إن المثال الذي يستحق التوقف عنده، يأتي من النرويج. فمجموعة البحوث المنشورة عن قطر عام 2013 في هذا البلد، تجيب عن أسئلة عديدة بدت ألغازاً بالنسبة لمراقبين من بلدان غربية أخرى. ويذهب النرويجيون إلى أنهم أقرب إلى فهم سياسات قطر لوجود تشابه بين الدولتين الصغيرتين في حجمهما، والفاعلتين على الساحة الدولية. فبعد أن يستعرض الباحث النرويجي العديد مما كتب عن قطر ونشاطها الخارجي، الذي “يتحدى كل تفسير” عند البعض، ويصفه آخرون بأنه مبني على “استراتيجية سياسية غير متجانسة”، فيما يذهب البعض الآخر إلى حد زعم أن “الأدبيات التقليدية في العلاقات الدولية عاجزة عن شرح خيارات قطر الدبلوماسية وسلوكها”، نراه يقدم تفسيراً يقوم ببساطة على ما وصفناه أعلاه بـ”الخطأ المعرفي” إضافة إلى عدم التوجه إلى المصدر الأولي. فيقول:

“(…) إن ما يراه بعض الملاحظين سياسات متضاربة وعشوائية، يراه الآخرون تنفيذاً لخطة ذكية. تأتي مقاربتي الخاصة في مكان بين هذين القطبين. من جهة، سوف أبين أنه إذا كانت قطر صعبة الفهم، ففي ذلك ما يدل على خطأ في الأدوات المستعملة أكثر منه غموض داخلي. إن عدداً من ملامح الحركية القطرية يمكن مثلا أن تكون واضحة للنرويجيين. إن بعض الميكانيزمات تتشابه، حتى مع وجود أوضاع معينة وسياقات ثقافية مختلفة. ومن جهة أخرى، سأوضح أنه حتى إذا كانت المقاربات العقلانية تسلط الضوء على الحركية القطرية، فإنها تنسى أجزاء مهمة من القصة، وهي مجازفة تحولها إلى ضحية للتأويل المبسط المبني على الريبة، حيث تفهم كل عمليات السياسة الخارجية القطرية في النهاية وكأنها أدوات تخدم بقاء النظام الحالي (…)”([9]).

يمكن الاطلاع على النص الانجليزي بكامله، فهو ضمن الأوراق المرصودة.

وقد راهنت دولة قطر على التغيير الذي ركبه الإسلاميون ، حتى قيل أحياناً إنها “قادته” وتحدث البعض عن “ثورات الجزيرة” بدل “الثورات العربية”. وإذا كان العالم كله يتغير كل يوم، بما فيه العالم العربي، فإن دولة قطر أرادت أن تكون في طليعة هذه التغييرات، بل هي طمحت أن تقودها… إلا في قطر نفسها، حيث لا مكان للأحزاب أو النقابات أو الديمقراطية.

ومع ذلك، فقد نجحت قطر إلى حد ما في ميادين مثل التعليم والصحة والبحث العلمي والتنمية المستدامة… ومن يملك الإيرادات التي تملكها ولا ينجح، فهو لا يستحق العيش. وأشار عدد من تقارير المنظمات الإقليمية والدولية الحكومية التي يرصدها تقريرنا إلى مؤشرات قطر ورتبها.

قضايا التعليم والعدل بين الجنسين

ونجد في التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إشارة إلى أن قطر من البلدان العربية التي “سجلت معدّل التحاق صافياً في مرحلة التعليم الابتدائي يتجاوز 95%…”مع وصول “معدّل التحاق الفتيات بالتعليم العالي إلى خمسة أمثال معدل التحاق الفتيان”.([10]وتتقاطع نتائج هذا التقرير مع نتائج التقرير الصادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، الذي يؤكد ما نصت عليه بوضوح استراتيجية التنمية الوطنية (2011-2016)، والرؤية الوطنية لدولة قطر (2030)، وكلاهما يدمج “قضايا النوع الاجتماعي في الاستراتيجيات القطاعية، لاسيما استراتيجيات التعليم والصحة (…)”. ويشير التقرير نفسه كذلك إلى ما اتخذته دولة قطر من “تدابير مؤسسية وتنفيذية مختلفة”، للعناية بقضايا الجنسين، إضافة إلى “إنشاء مؤسسات مستقلة ومتخصصة للتصدي لظاهرة العنف ضد المرأة (…)”([11]).

قضايا العمالة

ويشير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية إلى واقع أن “دول مجلس التعاون الخليجي تمثل الجهة الأبرز في استقدام العمالة الوافدة” في المنطقة العربية. ومن الملاحظ أولا، أن الأجانب يشكلون “87% من مجموع السكان في قطر”([12]) وحدها. وهي نسبة كبيرة حقاً، بل لا نجد لها مثيلاً في أي مكان آخر. والملاحظة الثانية، هي أن نسبة البطالة في قطر تصل (في 2013) إلى 0.5% من مجموع السكان. وهذا أمر في منتهى الأهمية، لأنه إذا قارنّا هذه النسب بغيرها في البلدان الأوروبية التي تمثل أيضاً اتجاهاً قوياً لهجرة القوى العاملة، لوجدنا هوّة بين الحالتين. البعض يتهمون دولة قطر بـ”تنظيم العبودية”، والتسبب في موت العديد من العمال. وهناك عشرات الشركات التي تستقدم العمال في قطر، وعشرات الشركات التي تشغلهم، تحت أنظار الكفلاء القطريين. وبالتالي، فالدولة مسؤولة.

قضايا تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

من المناسب أيضاً التذكير بأن هناك (في 2013) دولتين عربيتين فقط “أعلنتا عن امتلاكهما لسياسات وطنية لاستخدام المصادر التعليمية المفتوحة”، وهما قطر والأردن. تشير إلى ذلك “اليونسكو” في تقرير خاص. ولدى قطر، كما يقول التقرير، “مناهج أو مساقات محددة في جميع مستويات التعليم الثلاثة: الأساسي والإعدادي والثانوي”([13]).

نشير في هذا السياق إلى تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات، الذي يكشف الفروقات داخل المنطقة العربية في هذا المجال، فيقول مثلاً: “يعكس الترتيب الإقليمي للدول العربية بشكل وثيق فوارق الدخل في المنطقة. وتتصدر قطر الترتيب الإقليمي، بمعدل (6.54) في مؤشر تنمية الاتصالات الدولي IDI”([14]). وقد أكد التقرير أيضا أن قطر والبحرين حقّقتا “أعلى معدل للأسر التي لديها حاسوب في المنطقة، بنسبة أعلى من (90%)، كما أن لقطر أعلى معدل للأسر التي لديها إنترنت في المنطقة، وذلك بنسبة تصل الى  (88%)”.

وأما المنتدى الاقتصادي العالمي، فيقول إن قطر “تقود العالم العربي في هذا المجال”([15]) (في 2013).

ولن نمضي أكثر في استعراض ما يقوله المحللون والمنظمات الدولية عن قطر، بل نفسح المجال ليكتشف القارئ كيف كانت المؤسسات الدولية على اختلاف أنواعها ترى قطر في 2013. وسنتابع هذا العمل بحول الله، بتقديم تقارير  عن قطر في الأعوام التالية… وصولا إلى اليوم.

 

[1]  “أمير قطر يتنحى طوعاً”،  25 يونيو2013. المعهد الملكي لدراسات الدفاع والأمن. بريطانيا.

[2]  “سياسة قطر الخارجية: حدود السياسة العملية”. شاتهام هاوس (المعهد الملكي للشؤون الدولية) مارس 2013 ،بريطانيا.

[3]  المصدر نفسه.

[4]  المصدر نفسه.

[5]  “قصة نجاح قطر”. المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: 27 يونيو 2013.

[6]  “قطر 2013”. قسم البحوث في مكتبة مجلس العموم البريطاني:  18 أكتوبر2013.

[7]  المصدر نفسه.

[8]  “الخليج والطائفية”. المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية: 13 نوفمبر 2013.

 

[9]  : “الدين، والهيبة والفرص المفتوحة: السياسة الخارجية القطرية الملتزمة وصنع السلام”. أكتوبر 2013. نوراجريك، النرويج.

[10]  “التقرير العربي للأهداف الإنمائية للألفية : مواجهة التحديات ونظرة لما بعد عام 2015”. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

[11]  “تعميم مفهوم النوع الاجتماعي في البلدان العربية: التجارب والدروس”، 18 ديسمبر2013. اﻟﻠﺠﻨﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻟﻐﺮﺑﻲ ﺁﺳﻴﺎ.

[12]  “حالة المدن العربية 2012/2013 – تحديات التحول الحضري”. برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية.

[13]  “تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم في خمس دول عربية تحليل مقارن: مصر والأردن وعمان وفلسطين وقطر”، أبريل2013. منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).

[14]  “تقرير قياس مجتمع المعلومات 2013”. الاتحاد الدولي للاتصالات.

[15]  “التقرير العالمي لتكنولوجيا المعلومات 2013.” المنتدى الاقتصادي العالمي.