دفاتر العياشي بوراسين السرية

مقدمة للأحداث العجيبة التي جرت في فندق أمريكا

 

 

أحدهم روى ما يلي:

 

أفاق يومها بأفكار غريبة. توجه تفكيره اتجاهين. كأنما أصبح منقسما. أو كأنه غدا فعلا ذا رأسين، وليس لقبا فقط. فكر أنه لا بد أن يكون في إحدى ثلاث حالات:

  • يحلم… وسيستيقظ قريبا.
  • يواجه اتهامات حقيقية شديدة الخطورة، لفقها ضده حساد مغرضون.
  • الاتهامات غير حقيقية، بل للتغطية. وهو مستمر في نفس الأعمال. فقط، انتقل من قلعة أولاد باب الله إلى فندق أمريكا.

الحالة الأولى هي المفضلة لو استيقظ فورا ولم يستمر الحلم بلا نهاية.

الحالة الثانية مخيفة. عليه أن يتهيأ للدفاع عن نفسه. عندما تتصارع الأجنحة، هناك دائما من يضحى به.

الحالة الثالثة تحتاج الكثير من الحذر والحكمة. قد يكون إذن في مهمة خاصة. مهمة خاصة. مهمة خاصة جدا. جدا، جدا. جدا، جدا، جدا!  مهمة تبلغ من الدقة والسرية العالية درجة جعلتهم لا يبوحون بها حتى للرجل المكلف بتأديتها. الخبر الجيد: الذين أوكلوا له المهمة – وهو على يقين أنها إدارة الخدمات الخاصة – حريصون على أمنه، بقدر حرصهم على أمن الدولة. الخبر السيء: لم يعلموه بالمهمة قبل تكليفه بها.

 

الخبر الجيد الثاني: الحالة الأولى سيستيقظ منها، حتى لو كانت كابوسا.

الخبر السيء الثاني: لا يستطيع إثبات الحالة الثالثة لنفسه بدليل قاطع.

ما العمل إذن؟

الحالات الثلاث تدفع به إلى منطقة مجهولة غامضة. مؤكد أنه يواجه أخطارا. الحكمة تقتضي أن يتهيأ. أن يكون لديه بديل أو بدائل. الأستاذ عمار المحامي سيقول له: «تحتاج إلى استراتيجية دفاعية». وهو يعتقد أنه وجدها. إنه لن يكشف كل أوراقه لرجل يراه لأول مرة في حياته، حتى لو كان محاميا زكاه رئيسه سي العروسي جاء وحده. ليخلص العروسي نفسه أولا، فقضيته أكثر تعقيدا. ثم إنه سبقه إلى الفندق.

قرر أن يعمل على تنفيذ المهمة السرية. هذا أفضل خيار. لا ينبغي أن يعطي أحدا فرصة ليقول: أرسلناه إلى فندق أمريكا عبثا! سيثبت لهم أنه أهل للمهمة، وجدير بالترقية. إنه يرى وسام الاستحقاق الوطني معلقا على صدره منذ شاهد حمدة الأعور يحمله. واحتسابا لجميع الاحتمالات، عليه أن يبني استراتيجية دفاعية لتفنيد التهم وردع المتآمرين. من يتآمر عليه يتآمر أيضا على البلد. التقرير السري هو الوسيلة الاقتصادية إلى بلوغ مرماه. الورق موجود، والأقلام متوفرة في المكتبة. ولديه كامل وقته. سيرصد حركاتهم وسكناتهم. سيكون تقريرا دسما، كخروف مشوي محشو بما لذ وطاب.  آه لتلك الخرفان التي تتمدد على قصعة الرز!

يا الله! لنتوكل على الله! شمر عن ساعديك. أمسك القلم. ارسم قططا وفئرانا صغيرة على الطرة. دعها تلعب مع بعضها البعض لعبة الغميضة.

انتبه إلى أن هذا التقرير موجه للسلطات العليا. وبقدر ما تكون السلطات العليا أعلى، يكون ذلك أفضل… لأن أمورا عجيبة غريبة تحدث في فندق أمريكا. وأنت لم تأت هنا صدفة، ولا كيفما اتفق. أتيت محمولا على أجنحة ملاكين لا يسمع خفقانها في الهواء سوى من أوتي علما كثيرا.

 

 

 

 

 

الدفتر الأول: رجل بلا وجه

 

 

الشيء الغريب الذي وقع منذ جئت، أنني نسيت وجهي. أمر لا يصدق طبعا! لأنه يبدو غريبا أن ينسى الانسان وجهه. فقد ينسى مفتاحه أو قلمه. كتابه أو كراسه. صندوق حذائه الجديد أو حقيبته في المحطة. هذا يقع. لكن أن ينسى وجهه، هذا هو الغريب. أنا نسيت الكثير من الأشياء في السابق، قبل قدومي. أعني قبل دعوتي. نسيت أحداثا كنت أعتقد أنني لن أنساها. نسيت وجوها عرفتها. عملاء لم أعد أراهم. زملاء انقطع ما بيني وبينهم من صلة. نسيت جيرانا انتقلوا إلى مكان آخر. حيوانات أليفة. نسيت كلاما قلته للناس أو قالوه لي. مواعيد أعطيتها أو أعطيت لي. محفوظات المدرسة. آيات عديدة مما تعلمته خوفا من العصا والفلقة. نسيت الصلاة أحيانا وكثيرا. نسيت أن أستيقظ قبل الفجر للوضوء أو السحور. نسيت حتى كيف جئت إلى هنا. لكن كل هذا لا أهمية له. يمكنني أن أتذكر لو بذلت جهدا. يمكنني أن أتذكر حتى مقاطع حفظتها من خطب الرئيس. لماذا حفظتها؟ لأنهم يذيعونها عددا لا يحصى من المرات. كل هذا لا أهمية له وأنا في هذا المكان المحروس. أشعر أنني في أمان. لكن… أن أنسى وجهي؟ هذا ما لم أتوقعه أبدا.

لا أعرف ما الذي بدأ أولا. نسياني وجهي، أم افتقادي الإحساس بالزمن. أعرف أن الوقت يمر. هو يمر دائما بأي حال وفي كل الحالات. سواء نسيت أو تذكرت. لكن نسياني وجهي، هل له علاقة بفقداني الإحساس بالزمن؟ عبثا أحاول أن أتذكر شكلي. لون شعري وعيني مثلا. عرض جبهتي. حجم خدي. ذقني. فمي. طول أنفي أو أذني. طول الأذنين وحالتهما مثلا، له درجة كبيرة من الأهمية. كون الأذنين يلتصقان بجانبي الرأس بشكل معقول أم يحاولان الاستقلال والإقلاع كطائرتين ورقيتين… أليس هذا مهما؟ كذلك طولهما. ما الذي يميز إنسانا طبيعيا عن الفأر أو الحمار؟ الأذنان طبعا! وأنا أرى هنا أشخاصا يصعب القول إنهم طبيعيون. بلغ الأمر أنني صدمت وخفت حين التقيت الزيغومار ولد حليمة أول مرة. نفس الشيء بالنسبة لعمار بو الزور. سميت الأول Frankenstein تيمّنا، لأنه قرر أن يكون صديقي.  أما بو الزور، فيدعونه Zorro، زورا وبهتانا. وهو لا يرقى إلى مصاف البطل المقنّع.  منظره والعياذ بالله! لحسن الحظ أن الرفيق Mickey Mouse ألطف بكثير. إنه ماركسي يتاجر بالعملات مع سي العروسي، وفقا للبعض. ذلك لا يمنع أنه يشبه فأرا في قفص.

تلمست وجهي. أتلمسه صباحا ومساء. ما من سبيل إلى تذكره. كل ما أحصل عليه حين أركز على ملامحي هو صورة غائمة. المصور أعوزته الدقة. أخذ الصورة وعجز عن إخراجها بطريقة واضحة. لعله لم يصور شيئا أصلا. لعله تخيل أنه يأخذ الصورة. لكنها لم تثبت. أخجل أن أطلب من أحد أن يصف لي وجهي. سيقول: مجنون! ألم أنظر إلى وجهي سابقا في المرآة؟ أكيد! فعلت ذلك عديد المرات. إذن؟ ألم تثبت صورته في ذاكرتي؟ لم تثبت.  ربما وقع شيء أزاحها. دفع بها إلى الخلفية وانتصب مكانها. ما الذي أزاحها؟ ألم أكن أتطلع إلى خيالي في المرآة كل يوم حين أحلق ذقني أو أرتدي ملابسي قبل الذهاب إلى البنك؟ هذا ما كنت أفعل. ألم يكن ما أراه في المرآة حقيقيا؟ لا، لم يكن كذلك. كان ظلي وحسب. لم يكن أنا.  لذلك نسيته ما أن وضعت قدمي في هذا المكان. كيف؟ لا جواب. متى بدأ النسيان؟ لا أدري. لا يمكنني تحديد نقطة في الزمن والمكان شرعت فيها بنسيان الوجه الذي كنت أراه في المرآة كل صباح. والذي لم يكن وجهي، لأنني لا أتذكره. مع أني واثق أنني حملت وجهي معي. أحمله في كل مكان أذهب إليه. وهو يتغير باستمرار. راقبت ذلك حتى في صور الألبومات العائلية التي تحتفظ بها أمي. وجهي عندما كنت رضيعا. وجهي عندما دخلت الكتّاب. وجهي في المدرسة الابتدائية. وجهي في الثانوية… لا وجه بقي جامدا على حالة واحدة. كلها تغيرت. كل صورة أرى فيها ملامح وتعابير مختلفة.

لكن في السابق، كان يكفي أن أقف أمام المرآة لأتذكر وجهي. يكفي أن أتصفح ألبوم الصور لأعرف كم وجها يمكنني أن أعرض على الناس. أما اليوم، فأنا في مشكل. لم أحمل معي ألبوم صور قديمة ولا مرآة إلى فندق أمريكا. لا توجد أي مرآة، ولا بلور في النوافذ. قضبان حديدية فقط، ومصاريع خشبية وحديدية. حتى السيارات، التي يمكن أن نسترق من مراياها الجانبية نظرة إلى وجوهنا، لا يسمحون لها بالدخول حيث يتجول النزلاء. بل تربض في ساحة بعيدة عنا، قرب البوابة الحديدية الكبرى، حيث مباني الإدارة.

في هذا المكان الذي يتسع لآلاف الناس، لا يوجد مكان شاغر. الفندق مزدحم. غاية في الازدحام! يفقد الناس وجوههم بمرور الوقت. يفقدون أعصابهم أيضا، ويشتعلون بسرعة، وينطفئون بسرعة. كالسجائر. الزمن يمر عبثا. لكنه يسيطر عليهم. لا يرونه يمر. لكنهم يعرفون أنه يمر. يسخرون من ذلك، فيقولون: هكذا هو فندق أمريكا! و الزمن حين يمر ، يترك آثارا كثيرة، أشنعها ربما مسح وجوههم من ذاكرتهم، قبل مسح ذاكرتهم نفسها.

هنا لا توجد مرايا. لا توجد مرايا هنا. لا مرايا. لا أحد يرى خلقته صباحا أو مساء. نحن أرقام هنا. أرقام ترزح تحت وطأة الماضي الثقيل. الشيء الوحيد الذي عليك أن تعرفه هو رقمك. رقمك أهم حتى مما فعلته في حياتك. في الغالب، لا تعرف أيضا ما فعلته في حياتك. تنساه. وإن لم تنسه لا تريد تذكره، فهو ما جلبك إلى فندق أمريكا حيث لا توجد مرايا. وحيث لا ترى وجهك. وحيث تمضي الأيام. الأسابيع. الشهور. الأعوام. ولا ترى وجهك. وحيث لا يمكنك أن تشتري مرآة ولا ألبوم صور، أو تطلبها ممن يزورك. لأن المرآة سلاح قاتل. المرآة زجاج. وأنت لست زجاجا. أنت ذئب. والذئب إذا رأى وجهه في المرآة عرف أنه ذئب. والذئب قاتل. في فندق أمريكا لا يريدون قتلة. يريدون أشخاصا طيعين، يذعنون للأوامر. يقفون تحية واحتراما لممثلي الإدارة حين يمرون.

كل هذا قد لا يكون له أهمية لولا القلق. فراغ الذاكرة من دليل مرجعي يشدني إلى جسمي يولد في نفسي قلقا كبيرا. كأني أقف على حافة بئر عميقة، كالتي سقط فيها أبي، الحاج عفاط بوراسين. أبحث عن وجهي. لا أراه. فمن الذي يقف هنا إذن؟ ومن الذي يقف هناك؟ هل هو أنا؟ كيف أعرف أن أنا الذي كان هو أنا الذي يكون الآن إذا لم أر ما يذكرني بصورة أعرفها عن الذي كان تشبه الذي يكون؟ أنا نفسي؟  وهل رأيت نفسي من قبل؟ من رأى منكم نفسه مرة واحدة يخبرني. أي نفس يمكن رؤيتها بالعين المجردة أو بالميكروسكوب أو بالتلسكوب الإلكتروني؟ لا أحد رأى نفسه. إنه مجرد تعبير لغوي. كلام. لأن النفس ليس لها شكل محدد. يمكنها أن تتخذ أي شكل من الأشكال. فهي غير مادية. لا يمكن حصرها. لا يمكن الإمساك بها. لا يمكن القبض عليها. ولا يمكن حبسها. والجسد ليس النفس. هو شكل من أشكال التعبير الفوري عنها. لكنه ليس إياها. وإلا، لم نقول النفس حين نعني بذلك الجسد؟

أرى جسدي، وألمسه، لأن عيني ويدي تتيحان لي ذلك. أما وجهي، فلا أراه. ألمسه فقط. قد يكون تغير في فندق أمريكا، مثلما تغير في فترات أخرى من حياتي. الرضيع. الطفل ابن الخامسة. المراهق. الشاب. الرجل…

كل هذه السنوات من عمري أقضيها مطمئنا. أفيق في الصباح. أتطلع إلى وجهي في المرآة. أتعرف عليه. أخرج متجها إلى عملي. أشعر بالأمان بيني وبين نفسي. حين رأيت وجهي، رأيت نفسي. لا شيء تغير. كل شيء يتغير في العالم. لكن أنا لا أزال أنا. النفس، أتكون هي الوجه إذن؟ أليس هذا مطمئنا؟ قد أنسى أي شيء في ذلك اليوم. قد أنسى أمورا عديدة تبدو للآخرين مهمة. لكني أذهب وأعود مطمئنا. أنا هو أنا. رأيت وجهي في الصبح عندما حلقت ذقني ولبست قميصي وعقدت ربطة عنقي. سواء كانت السماء مشرقة أو كانت غائمة. سواء حدثت زلازل. انقلابات. حروب. أو أي شيء يغير بلدانا بأسرها.  أنا، لم أتغير. بين الصبح والليل، لا أزال أحمل نفس الوجه. أليس هذا مهما؟ طبعا هو كذلك. فلماذا حرمت من الارتباط بنفسي؟

هل تفهم الآن؟ عندما تأتي إلى هنا، أنت لست من تدعي. أنت لم تعد أنت، ولا أنت أنا، ولا أنا أنت. لا تحتاج اسمك ولا اسمي. هذا استغنينا عنه. قلنا نرضى بالرقم. لكنهم يقولون لا تحتاج وجهك أيضا. هم لا يقولونها مباشرة. عليك أن تفهم ذلك. حين تبحث عن مرآة، لن تجدها حتى عند الحلاق. لا أحد يملك مرآة هنا. نحن بلا أسماء. وبلا وجوه.

 

 

 

 

(1) دعوة حكومية كريمة إلى فندق أمريكا

 

 

وصلت هنا قبل أسبوع، أو أسبوعين… ربما ثلاثة، أو أكثر من ذلك بكثير. أو أقل. لست أدري، ولم أعد أبالي. أصبحت أخطئ حتى في عدّ الأيام وتحديدها. فهي تتكرر. كأنها تدور بنا في دائرة مقفلة لا ندري كيف نخرج منها. أحيانا أقول إنه السبت، ثم أكتشف أنه الأربعاء، أو الأحد، أو يوم آخر. في هذا المكان، يصعب أن تعرف كم مرّ من الوقت. وحتى إذا كنت تعلم، أو تعتقد أنك تعلم، فذلك لن يفيدك. إذا كتبت تاريخ وصولك بالسلامة على حائط مثلا، فأنت إما ستفقد الحائط، أو تفقد التاريخ، أو تفقد الاثنين. سينقلونك من مكان إلى آخر حتى تفقد البوصلة أيضا، ولا تعرف أين يقع الشرق وأين يقع الغرب. ثم تسلم أمرك لله. البعض يشرعون برسم خط صغير لكل يوم من أيامهم على الحائط، ثم يتخلون عن ذلك لأنهم يتشككون في صحة ما فعلوه. أيا كانت الأداة ستستعملها: أظافرك، ملعقة، عودا خشبيا تقتلعه من مكان ما… فهي تهرأ. والزمن الدائري المقفل لا يهرأ ولا يصيبه ملل أو تعب. أنت محكوم بالتكرار. محروم من ساعتك اليدوية التي تسجل التاريخ. محروم من رزنامة ورقية. ناهيك عن حرمانك من الأجهزة والأدوات التي تجعلك إنسانا من هذا العصر: الكمبيوتر الخاص والتلفون المحمول. لا يبقى أمامك سوى أن تحسب مرور الوقت بدورتي الشمس والقمر. مع التغير المناخي الذي أصاب تعاقب الفصول والمواسم في مقتل، يصبح سعيك هذا أيضا لا معنى له. فإذا نجحت مع ذلك، لعلك تنجح أيضا في عدّ نجوم السماء.

المكان لا يذكرني بشيء. ومع ذلك، هو فندق أمريكا! هكذا يسمونه. وهو مشهور. لكن منظره الخارجي لا يذكر المرء بالفنادق السياحية. لقد أصابني بصدمة حين رأيته أول مرة. لو كنت وحدي، لعدت أدراجي. لهربت عائدا على قدمي إلى قلعة أولاد باب الله التي جلبوني منها. وحين أصلها، أزور مقام جدي لأمي، الولي الصالح سيدي علي الريح، لأشعل شمعة. لست أغالي. إنه أقرب إلى القلعة ذات الأسوار العالية منه إلى الهلتون أو الشيراتون.  بوابته الحديدية الكبرى تحت الجدار الأبيض العالي، تنفتح بتثاقل للسيارات التي تتوقف أمامها، حتى تعبر ببطء تحت الحراسة المشددة. رجال الشرطة، والمسلحون ذوو الأزياء الرمادية، يتابعوننا من فوق ومن تحت ومن الجانبين، وربما من تحت الأرض أيضا، ومن خلف الجدران. والأوامر المتتابعة والطابور الذي رأيته في الساحة … كل ذلك جعلني أتساءل: أي فندق هذا؟ لم نكن في يوم عيد، ولا في مناسبة وطنية، ولا ننتظر حدثا مهما. في الردهة، يقف رجل غليظ، منتفخ الأوداج، أجعد الشعر، أسود البشرة. يراني. يندفع نحونا مترنحا. أهو سكران أم مسرور بقدومي؟ يستلمني من مرافقيّ ويشير إليّ أن أتبعه. أصبحت يداي طليقتين، ولكني غير مطمئن إليه. يتلفت نحوي. ينوي أن يبتسم، فيكشر متجهما. يتكلم، فيتطاير لعابه متناثرا وتشتعل عيناه. أحاول أن أبعد وجهي. يبحلق فيّ ككلب من فصيلة البلدغ اكتشف فجأة عظمًا يليق بأنيابه. أعوذ بالله! استقبال كهذا في أي فندق محترم قد يجعل المرء يفرّ لا يلوي على شيء. ولكني أواصل السير مذعنا حتى ندخل غرفة جرداء. لا نوافذ ولا زينة. فقط، ضوء أصفر يتسرب من مصباح كهربائي يتدلى من السقف.

في صدر الحجرة نضد مرتفع مستطيل، شكله يشبه الكنتوار في حانوت محرز البقال. إلا أنه لا يبيع شيئا. أخمن أنهم يستعملونه كمكتب استقبال. ها هو الرجل الأسود الثخين ذو البزة الرمادية والكرش المنتفخ يدور من حول المكتب ليقابلني. لا أحمل حقيبة، ولا أحد يكترث بذلك. لست وحدي. هناك رجل سبقني. صاح مرافقي شاتما إياه ما أن رآه، فخرج يركض من باب آخر في الغرفة.

موظف الاستقبال، إذا جاز أن أسميه كذلك، يقف الآن أمامي في بزته الرمادية غير المكوية جيدا. إنه يفوقني طولا وعرضا بكثير. مدور ذو كرش مكور كالبرميل. لو وضعته على الأرض ودفعته بقدمك لتدحرج بسرعة حتى يبلغ المرمى: Goal! يضع يديه الضخمتين فوق النضد. يتناول قلم حبر جاف رخيص Bic  ، من فوق دفتر كبير مفتوح على المكتب.  ويشرع في العمل.

 س. ج.

اسمك. لقبك. اسم أمك. اسم أبيك. عنوانك. حالتك المدنية. مهنتك. مكان عملك… أتوقع أن يطلب مني بطاقة الهوية، لأنني لا أحمل جواز سفر، لكنه لا يفعل. يساورني القلق. أتذكر الأحمقين غريبي الأطوار اللذين رافقاني إلى هذا المكان. أتلفّت. ربما رأيتهما. لكنهما تبخرا. بعد أن فكا معصمي من الحديد وأسلماني إلى البرميل، انتهت مهمتهما. ها هو ينتبه إلى حركتي. يسألني دون أن يرفع رأسه عن الدفتر الذي سجل فيه إجابتي الأخيرة:

«هل تنتظر أحدا؟»

أقول: «لا». ثم بعد تردد أضيف: «الوقت تأخر، فأين سأقضي الليل؟»

يتوقف عن الكتابة. يرفع رأسه. كأني أقرأ في عينيه شرا.  كأنه لا يحبني. تمر ثوان أتوقع فيها انفجار البرميل. إلا أنه ينفجر … ضاحكا.

«تريد أن تعرف رقم جناحك يا سعادة الباشا؟ وفي أي طابق ستقيم؟ أتفضل سعادتك أن تتناول فطورك في الغرفة أم في المطعم؟ لدينا هنا أفضل الطهاة في البلد. خذها مني بكل صدق، سترى العجب في طبخاتهم. هل سعادة الباشا يؤثر إفطارا عربيا أم أمريكيا؟»

أنا على وشك الإجابة أنه لا مانع لدي من تذوق الاثنين. لكنه يسبقني:

«ستكون في العلالي يا سعادة الباشا، في الطابق السادس، مع نجوم هوليوود وبوليوود. سنسهر على راحة سعادتك، فهذا فندق تسع نجوم كما تعلم، سعادتك. على وزن التاسع من ديسمبر. سنسرك كثيرا هنا».

إن هذا الغبي يردد ما قاله لي المبعوثان اللذان جاءا إلى شقتي خصيصا لاصطحابي إلى الفندق:

«هذه دعوة كريمة من الحكومة»! وأضاف أحدهما: «ستكون ضيف الشرف». ولأني أعتبر نفسي قريبا من الحكومة، بحكم قربي من السيد حمدة الأعور، اعتقدت أن الدولة قررت الاعتراف بخدماتي في النهاية وتكريمي. فقد فعلت ذلك مع رئيسي في الحزب: حمدة الأعور. لكني مع ذلك، لم أشعر بالارتياح.  لازمني القلق منذ اللحظة التي كبلاني فيها قبل صعودي إلى السيارة. زد على ذلك أنني وجدت الفندق تحت حراسة مشددة. ثم إنني لا أفهم ما سيأتي بنجوم الفن إلى مثل هذه الحجرة ذات الحيطان الكئيبة التي تقشر كلسها. إنهم لم يهتموا حتى بتبليط الأرضية الإسمنتية السوداء، فضلا عن فرشها بالزرابي كما هو الأمر في الفنادق المهمة التي تعقد فيها المؤتمرات ويدعى إليها كبار الشخصيات. أردت أن أبقى مهذبا، فلم أكثر الأسئلة في السيارة، لا سيما وقد لاحظت أن مرافقي كانا يتغامزان ويتضاحكان حين سألتهما عن الفندق. كانت تلك حالة مرح تتناقض مع ما كنت فيه من قلق بسبب تكبيل يدي. ما موجب ذلك؟ أأنا مدعو من طرف الحكومة أم مجرم؟

ها هو برميل الاستقبال يغير اللهجة فجأة ويصيح آمرا:

«أفرغ ما في جيوبك يا سي عقبة. أسرع، فلست الوحيد لدينا. غيرك ينتظر. ضع كل شيء هنا».

وأشار إلى صندوق مستطيل أخرجه من تحت المكتب ووضعه على النضد أمامي. أرأيت كيف أخطأ في اسمي ودعاني عقبة؟ من عقبة هذا؟ ثم ما بال هذا الأحمق يأمر وكأنني في خدمته؟ ماذا جرى لعبارة «من فضلك، يا سيد عياشي؟» أكانت ستحرق لسانه لو نطق بها؟ ثم كيف أثق به وأسلمه ما في جيوبي؟ تلفتّ حولي، فرأيت ثلاثة أشخاص دخلوا في أعقابي. إنهم يقفون منتظرين دورهم على بعد خطوات مني. الحراس ذوو الأزياء الرمادية يروحون ويغدون في الممر. ترى، أين ذهب الغبيان المرحان؟

«هل ستمد يديك إلى جيوبك أم لا؟»

أرى الوجه السمين المربدّ العابس، بعينيه الشريرتين وفمه المتبرم، يوشك على الانفجار. لا أتحرك. الشتائم تنهال عليّ ومعها التجديف وسبّ دين الآباء والأجداد. مصدوما، أدرك أن الانصياع هو الخيار الأفضل، لا سيما وقد تجسد التهديد في عدد من الأزياء الرمادية التي أطلت من الباب. انتهى الأمر بتسليمه كل المال الذي كان معي…ومعه خاتم عين الهر الذي ورثته عن الحاج العفاط بوراسين رحمه الله، وساعة معصمي. يا للوغد! لم يكفه ذلك. أمرني أيضا بالتنازل عن المحفظة الجلدية التي تحمل بطاقاتي، ومن بينها بطاقة حزب المحافظين. سلمته أيضا تلفوني المحمول الذي لا أتخلى عنه أبدا حتى في الــWC. وما فعله هذا الأهبل بعد ذلك تجاوز كل التوقعات. تصوروا! لقد أمرني أن أرمي في الصندوق رباطي حذائي والكرافات. لم يكن ناقصا سوى أن يسلبني سراويلي الداخلية ويتركني أتجول كأبينا آدم في الجنة. إنما لست واثقا أن فندقهم جنة.

حين خرجت من عنده كنت أتساءل: في أي ثقب أسود سقطت يا ترى؟

 

(2) بابل الجديدة

 

لا أذكر ما إذا كنت وصلت إلى الطابق السادس عن طريق مصعد أم درج. هل هناك طابق سادس أصلا؟ هي عبارة التقطتها أذناي من فم البرميل. أما الحالة الحقيقية، فيلفها نفس الضباب الذي يلف ذاكرتي.  أفكر أحيانا أنني في حلم، أو في منطقة بين الحلم والواقع، حيث لا توجد حقيقة ولا وهم. فليكن! سأفترض، من باب التفاؤل فقط، أن كلام الغوريلا الذي استولى على ممتلكاتي الصغيرة في مكتب الاستقبال نصف صحيح. ها أنا أقف في الصف الأول من مسرح غريب لأشاهد ما يمكنني تذكره لأنه مرآة حياتي. قد أصعد كل يوم إلى الطابق السادس أو السابع أو العاشر. لن يغير ذلك شيئا. قد أرى هذا المشهد كل يوم، وأتذكر أنني أرى حياتي. أنا الآن نزيل هذا المبنى الذي لا يفصح للزائر عن معناه. لاحظت أنه جزء واحد فقط من عدة كتل تشكل المجمع الذي يربض على شبه هضبة عند أحد أبواب مدينة العوجاء، عاصمتنا اللئيمة.

قذفت إلى هذه الردهة المزدحمة بالخلق، مثلما قذفت من بطن أمي. إنه عالم لم أطلبه. لم أبك، لكني لم أشعر بالأمان.  شعرت على الفور أنني مراقب. عيون تتبعني. بعضهم يبتعد بحذر حين أمرّ. البعض الآخر يتفحصني ويدقق في ملامحي ومظهري. هناك أيضا من لا يكترث، لاستغراقه في همّه أو لعبه أو حديثه أو نومه. أحاول أن أقرأ الوجوه. وجوه شاخصة. حالمة. تائهة. ووجوه باسرة. عابسة. زاجرة. القيامة! لقد جمعونا هنا لأمر ما. عسى ألا يكون إعداما جماعيا! قد لا يكونون جميعا من ذوي النوايا السيئة، كالبرميل الذي سلبني خاتمي وتلفوني ومحفظتي ومالي وبقية ممتلكاتي الصغيرة. قد أنسى ذلك أيضا. من يدري؟ تدوينه يجعلني أتذكر. أسمع صوتا يهمس في أذني اليسرى: «لن تحتاج نقودك بعد الآن. إنه يوم الحشر. لقد مت ودفنوك. الآن أتوا بك لتحاسب. تهيأ لملاقاة ربك»! يا ساتر، استر! إنه ملاكي الأيسر، حسين، أو حسن يعود إلى هذره. لا أصدق شيئا مما يقول. أنا أعرف أنه يكذب كما يتنفس. أدون كلامه حتى لا أنسى. لكني لم أعد أعرف إن كان هو حسن أو حسين. هما توأم، رغم أنهما لا يبدوان كذلك. أحدهما طويل وهزيل كالسلوقي، والثاني قصير ومربع. متر مكعب. متكاملان إذن. يعملان معا. ينام أحدهما، فيستيقظ الثاني.

طيب! كل الناس تعلم هذا الأمر. لكل شخص ملاكان، وظيفتهما المراقبة والتسجيل ورفع التقارير إلى الإدارة العليا. يقال إن الملكين يحضران لمشاهدتك تولد، ويلازمانك بعدها. لم أتأكد من هذا. ينبغي أن أسأل الحاج المختار إيش لوننا، إمام مسجد أولاد باب الله حين أعود. فهو متخصص، ليس فقط لأنه يعرف التنجيم والسحر. وإنما أيضا لأنه متزوج من الأميرة تكتوكة، ابنة ملك الجان. وهي بلا شك تعرف الكثير مما نجهله. عالم تزوج عالمة. ما شاء الله! بالنسبة لي، يشتغل ملاكي اليميني، مستشارا متطوعا (افعل هذا ولا تفعل ذاك). أما الثاني، فأحمق يعتقد أنه نائب في البرلمان البريطاني. لا وفقه الله!  نائب معارض للحكومة طبعا. فهو يعلم أنني أعمل لفائدة الحكومة. لذلك يحسب عليّ كل صغيرة وكبيرة. يتدخل في كل شاردة وواردة. ولا يني يحذرني من العقاب. يحاول إحباطي ومغالطتي.  أي ملاك هذا؟ إن عمله أقرب إلى عمل العفاريت والشياطين.

أجدني مذهولا تماما. وحائرا إزاء الوضع الغريب الذي تورطت فيه.  كيف لا أحار؟ هب أنك وقفت مثلي على أرضية الطابق السادس من هذا المبنى الغامض الذي دخلته كمن يدخل الطبقات السفلى من حلم خادع. المشهد الذي ينكشف لك فجأة سيصدمك بطريقة لن تتذكرها إلا إذا دونتها على الورق مثلي.

تبّا! نقلوني من بيتي الذي كنت فيه هانئا، مطمئنا، بدعوة حكومية. هل ذلك من أجل أن أشهد قيامة صغيرة وسط قاعة مترامية الأطراف كأنها الساحة العامة التي تباع فيها خراف العيد؟ أين العيد؟ أنا لا أرى سوى حيوانات هنا. الأرضية إسمنتية باردة. والناس يفترشونها كما اتفق. بعضهم يقف شاردا مثلي. بعضهم يجلس مستندا بظهره إلى الحائط، أو إلى أسرّة حديدية تتراكب فوق بعضها البعض. هذا المكان فندق فريد، لا يشبه غيره.

وأنا أتجول.

الناس يتكدسون كالماشية في فضاء يحتل المركز منه حوض مربع الشكل. ما هذا؟ إنه ليس حوض سباحة كما خيل لي من بعيد. فهو مليء بماء داكن.  كم عدد الذين تجمعوا هناك على ضفافه؟ مئات. أكثر؟ لا أدري. ولأي غرض؟  سر لم ينكشف لي بعد. لعلهم لا يعرفون أيضا.  لا يمكن الجزم أنهم جاؤوا إلى هنا من أجل الاستجمام والسباحة. لون الماء يوحي أن الحوض غير مستعمل. لعلهم نسوا تطهيره وتبديل مائه منذ شهور… أم منذ سنوات؟

أتقدم بحذر، محاذيا حبالا حمراء طويلة تمتد على جانب من الحوض لتفصل الجالسين على ضفافه عن الآخرين.  أحدهم يصيح:

«حاذر يا بوها! لا تتجاوز الحد».

بعضهم يضحك. هل هو يخاطبني؟ حين التفتُّ ناحيتهم، رأيت عيونا تحملق باتجاهي. شكلي بدا لهم غريبًا. مخلوق مجهول هبط عليهم فجأة من السماء. انزعجت طبعا.  ما بالهم يتفحصونني وكأنني سلعة مبتذلة؟ هل شكلي لا يروق لهم؟ هل أبدو في وضع سيء إلى هذه الدرجة؟ هل أوضاعهم أفضل؟ من الواضح أنهم لم يدخلوا هذا الفندق عن طيبة خاطر.  والآن لا يعرفون كيف الخروج. طال عليهم الزمن، فنسوا البوابة التي دخلوا منها. الحمد لله أنني لا أزال أتذكرها، وأتذكر حسن وحسين، الوغدين اللذين جلباني. أدون ذلك في دفتري. حتى لا أنسى مثلهم بمرور الوقت كيف جئت ولماذا.

أقف قرب الشريط الأحمر. لا أدري ما سأفعل. أسمع الجلبة من حولي. كأنه الحمام العمومي العتيق. في سنوات الصبا البعيدة، كنت أرافق الحاج عفاط إليه كل صباح جمعة، قبل الذهاب إلى المسجد. هذه المعلومة مهمة. لذلك أسجلها. بعد أن تتفسخ ذاكرتي تماما، سأقرأ هذه الأوراق لأتأكد أنه كان لي أب أصحبه إلى الحمام العمومي أيام الجمعة. أما الآن، فأقف وسط بابل الجديدة. أتساءل، ما الذي يمكن أن يجمع كل هؤلاء الرجال على ضفاف حوض قذر، في أحد أدوار فندق أمريكا الذي لم أره أبدا من قبل؟

يداخلني شعور بالاشمئزاز والضيق. المكان لا يتسع لهذا العدد الرهيب من الناس. الحالة غير عادية. بلغت الآن النقطة التي يستحسن معها أن أستيقظ من الكابوس. أتحسس نفسي. سأستيقظ حتما، متعرقا، لاهثا، باحثا عن الهواء النقي وجرعة ماء بارد. أتلفّت. أتقلب في فراشي. أدور حول نفسي لأتلمس أطراف السرير. لكني لا أجد سريرا ولا أطرافا.  لا أزال واقفا بين الوحوش في غابة الإسمنت والحديد.  لا أنا ممدد على فراشي، ولا نمت على كنبتي أمام التلفزيون. الغصة في حلقي. وفي صدري ضغط يوشك أن يصيبني بدوار وغثيان. تأخر الوقت كثيرا. أريد أن أعود إلى بيتي. لماذا جئت؟

 

منشورات ذات صلة