الصورة لوحة للفنانة شون لين يو

Dolce Vita

 

بعد فترة من مباشرة وظيفته كرئيس لخلية حزب التمكين الإلهي في قلعة أولاد باب الله، استدعى العياشي بوراسين الموظف الشاب الذي حل محله مؤخرا كمحاسب في الفرع المحلي للبنك الوطني. كان ذلك بعد أن استأنف البنك أعماله التي توقفت لمدة عام أو أكثر. عندما دخل الشاب الطويل الأسمر مكتب رئيس خلية الحزب، دعاه للجلوس. وبعد أن أمر له بالقهوة، تحدث إليه دون لف ودوران.
«أنت مطالب بالعمل معنا».
أجاب الشاب الذي بدا ساذجًا وخجولًا، وهو يسوي من جلسته، متطلعا في صورة رئيس الجمهورية المعلقة على الجدار فوق رأس الرجل الجالس خلف المكتب الفخم:
«إنه لشرف عظيم لي يا سي العياشي. كنت أود ذلك، لكني بدأت العمل فعلا في بنك أولاد باب الله. ولا يمكنني تغيير المنصب بهذه السرعة».
لم يكن ذلك الجواب غريبا عن العياشي. فقد عاد به سنوات إلى الوراء. ورأى نفسه يجلس على نفس الكرسي الذي كان يقتعده الشاب مواجها حمدة الأعور، عمدة أولاد باب الله والرئيس السابق لخلية حزب الجمهوريين. وسمع فجأة ضحك حمدة حين قدم له العياشي الشاب نفس الجواب. وقال في نفسه: «ها هو حمدة ينظر إلي من المكان الذي هو فيه الآن ويقهقه ساخرا . فليذهب إلى الشيطان! لقد حصلت على منصبه، وأصبح هو غبارا. فمن الذي ينبغي أن يضحك اليوم؟»

 

قبل تسعة شهور

تم تعييني رئيسا لخلية حزب التمكين الإلهي في قلعة أولاد باب الله من قبل الرئيس الطيب جعبة نفسه. وعدت إلى مسقط رأسي لأشغل منصب حمدة الأعور الذي لن يعود قريبا، ولكن في الحزب المنافس. وهو الحزب الحاكم اليوم. أنا في الواقع مزهو بالمركز المهم الذي وصلت إليه في عيون الزعيم. عاهدته على حمل الرسالة المباركة والسير على خطى السلف الصالح. قلت له في تلك المقابلة التاريخية عندما استقبلني في قصره العامر، الذي يشرف على البحر الأبيض المتوسط:
« سنتمكن إن شاء الله من فتح فرنسا. هذه أولوية بعد قرون من طرد أجدادنا على أيدي شارل مارتل، رأس الكفر. بعد ذلك، سنفتح صقلية. نطرد المافيا، فنسيطر على إيطاليا، ونعيد مجد قرطاج الذي دمرته روما. ثم يأتي دور بريطانيا. لن نعيد بناء إمبراطورية الإسلام دون إخضاع الجزيرة المارقة لسلطة الخلافة. وحين نبلغ أمريكا، بعون الله وملائكته، يكون الغرب بأكمله تحت أقدام جنود الإسلام. الله أكبر! يا فخامة الرئيس!»
طفح وجهه بالسرور وهو يقول:
«بس ! بس! يكفي أن نفتح فرنسا، ونترك البقية للأجيال القادمة…»
كنت دُعيت إلى القصر الرئاسي بعد أن سمع الرئيس الطيب جعبة أن الفضل يعود إلى مروحياتي في إنهاء أحداث الشغب التي اجتاحت العاصمة منذ شهور. وعندما اتصل بي راجح سليمان هاتفياً ليطرب أذني بالخبر السعيد ، اعتقدت أنه كان يمزح . لم أتوقع أن يتم تعييني في مثل هذا المنصب المشرف في مسقط رأسي، مع تقليدي وسام الاستحقاق الذي هو الأعلى في بلادنا. إنه نفس الوسام الذي ناله حمدة الأعور وجعل منه بطلا وطنيا.
«فخامة الرئيس يرغب في تقليدك الوسام بنفسه…»
السؤال الذي دار في خلدي آنذاك هو: ألا يرغب فخامته أيضا في تعييني وزيرا للداخلية؟ لكني كبحت نفسي، وشكرت مدير الأمن.
صوفية مقتنعة أنني جدير بالوزارة. تقول إنني خلقت لأكون رجل دولة عظيمًا. في البداية، كانت لا تتوقف عن نصحي بعدم الإكثار من النزول إلى القبو. فذلك يضر بصحتي، في رأيها، وينسيني مسؤولياتي. لكن كيف يمكنني التخلي عن متعة التسكع الليلي في مغارة علي بابا التي أخفى فيها زوجها السابق، ممدوح، مئات القوارير من جميع أصناف الخمور والمشروبات الروحية؟ ثروة عظيمة للبشرية جديرة بأن تسجل في اليونسكو ! أما بالنسبة لي، فهي غنيمة لا ثمن لها! فضلا عن أنها مكان محترم، جدير بأن يقضي فيه المرء أوقات التأمل والتفكر بأحوال الدنيا. أنا محب للتاريخ. ومنذ قرأت أن السلف الصالح من خلفاء المسلمين كانوا يقضون الليل يعاقرونها، لم أر مانعا من الاستنارة برؤاهم، واقتفاء خطاهم، والسير على هداهم. نسجت على ذلك المنوال، والتزمت بالقاعدة نفسها. قبل الفجر ، أنهض لأستحم وأتوضأ ، ثم أذهب للصلاة… مثلهم.
أقول لصوفية دائما ما سمعته مئات المرات: «أدّي الفرض وانقبي الأرض!» أنا لا أصلي بين فينة وأخرى لأتظاهر بالورع، كعدد من معارفنا، بل أصبحت مدمنا على الصلوات الخمس. وبقدر ما يمكن، في أوقاتها… سواء مع الناس في المسجد، أو في المنزل على انفراد . هذا ما جعل صوفية تتركني وشأني حين أنصرف بعد صلاة العشاء إلى القبو… من حين لآخر. فطالما أنا حريص على الصلاة في أوقاتها، والظهور في الجامع الكبير، كل شيئ على ما يرام. لا داعي للنكد. صوفية امرأة فاهمة عندما تريد . و هذا يعتمد على مزاجها. ومزاجها يتقلب.
في بعض الأحيان، نتجادل. فهي ترى سلوكي متناقضا وغير متسق. وصفتني مرة بالمنافق، وقالت:
«يجب أن تزور الطبيب النفسي. أتريد أن أدعوه ليفحصك في البيت؟»
« هل ستدعين الدكتور بودفة، بوليس العقول؟ لو كان فالحا، لما تخلى عن منصب مدير المراسم في القصر الجمهوري ليعمل في فندق أمريكا. ثم ما الداعي لذلك؟ هل ترينني مجنونا؟»
«لا ، أنت لست مجنونًا يا حبيبي … ليس بعد. لكن إذا واصلت جلسات القبو الانفرادية في الليل، وتظاهرك بالورع طوال النهار، فإنني أخشى على عقلك».
« إنني لا أؤذي أحداً».
«أخاف أن تؤذي نفسك يا حبيبي…»
« أنا أسير على خطى السلف الصالح…»
«تلك هي المشكلة! أنت تعتقد أنك خليفة من خلفاء المسلمين…»
«حبيبتي، ألست راضية عن كل الأموال التي نجنيها ؟ أعمالنا تسير بشكل ممتاز، ومشاريعنا تزدهر ، وما زال لدينا الكثير …. الحرب الأهلية هدية إلهية . أينما وجدت أضرار ، نقوم نحن بالبناء والتعمير، حتى أني لأتمنى أحيانا ألا تنتهي هذه الحرب أبدًا. نحن محظوظون ومفيدون للوطن. ماذا تريدين أكثر؟ »
« إنك تشبه أكثر فأكثر ممدوح…»
«هذا جميل! يعني أن الوزارة قادمة…»
«ليس ذلك ما أقصد».
«صوفية ، صوفية! لقد ناقشنا هذا الموضوع من قبل، أليس كذلك؟ أخبرتك بوجهة نظري. سلوكي غير متناقض بتاتا. أنا أتصرف مثل الخلفاء في العصور السابقة لأن هدف حكومتنا هو العودة إليها. من المناسب إذن أن نضع أمامنا ما وضعه التاريخ وراءنا. قدوتنا أجدادنا اللامعون. عزيزتي، أنت تعرفين كم أنا مرتبط بتقاليد الأجداد».
«راجح لا يشرب».
«أعرف ، ولكنه مخطئ. إنه لا يفهم معنى الرسالة التي يدعو إليها».
« راجح لم يدع يوما لشيء…»
«ماذا يفعل إذن؟»
«من يدري؟ لعله يدخر الأموال للأيام الحالكة…»
«هه! فهو إذن بخير … من يدري؟»
لم تستغرب صوفية تعييني رئيسا لخلية حزب التمكين في أولاد باب الله. عندما أبلغتها ، ضحكت وقالت:
«كنت على علم بالخبر قبل إعلانه. هذا على الأقل سيخرجك من القبو نهائيا يا حبيبي! وهذه هي الطريقة الصحيحة للمضي قدماً في السياسة. الترقية القادمة ، سيعينونك واليا ، ثم مديرا للأمن ، وبعد ذلك وزيرا ».
ما يعجبني فيها أنها لا تشك في شيء. وبما أنها علمت بالتعيين قبل أن يعلم المعني الأول بالأمر، فإن لدي من الأسباب ما يجعلني أعتقد أن لها يدًا في الترقية التي أبعدتني إلى قلعة أولاد باب الله في وقت لم يعد لي فيها مصلحة ولا إليها حنين. بالطبع ، لا يمكنني رفض الترقية مهما كان رأيي. فهذه رغبة رئاسية ، ورغبات رئيسنا أوامر.

استقبلني الرئيس الطيب جعبة في قصره الفخم. استغرقت المقابلة ربما ثلاث أو أربع دقائق. بالكاد تبادلنا بعض الكلمات. ذكرته بأن السير على نهج السلف الصالح سيفتح لنا أبواب العالم. حضر ممدوح وخلفه راجح مراسم تعليق الوسام. قدمني الوزير إلى سيادة الرئيس، مذكرا بالخدمات الكثيرة التي قدمتها للوطن في عهده.
تنهد الطيب جعبة، وهو يمد يده مستعجلا مناولته الوسام. ولم أر عينيه المختبئتين خلف النظارة السوداء. كان حقًا مثل صورته في الملصقات الجدارية في المدينة. بل كان أفضل من ذلك. قصير وليس طويلا كما يعتقد الناس. مدور، بارز الكرش، مترهل، مجعد الوجه. وبعبارة واحدة، فقد أخفوا حقيقته عن الأنظار، حتى يبدو شكله مخيفا. لكنه لم يكن مخيفا بتاتا. بل إنه ابتسم وهو يصافحني. كانت تلك لحظة تاريخية تمنيت أن تستمر إلى الأبد.
تقدم أحد مساعدي الرئيس حاملا الميدالية الصغيرة على وسادة حريرية ملفوفة بالعلم الوطني. تناولها الرئيس وعلقها على صدري بهدوء وسلاسة. لم ترتعش يداه. لم يغرز في صدري دبوس النيشان. ولم يخطئني ويعلقه على صدر المسؤول الذي أحضره وكان لا يزال يقف بجانبي. كان فخامة الرئيس يرى كل شيء في مكانه. يرى الرجل المناسب في المكان المناسب. كان الحفل ناجحًا. وما زلت أتساءل أحيانا كيف علق النيشان على صدري بتلك السرعة والمهارة . لعله تدرب بجدية منذ أن أخطأ إصابة غريمه الوغد وتركه يفلت منه ويعلن الحرب عليه.
سأذكر دائما قوله اللطيف، وهو يمسك بالوسام ليقلدني إياه:
« أولاد باب الله فخورة بك اليوم ، وأنت تستحق أن تكون رئيس خليتها».
يا له من رجل عظيم! تأثرت بكلماته كثيرا. كدت أجهش بكاء. لكن أحدا جذبني من ذراعي، وألفيت نفسي أتجه إلى الخارج. التحق بي راجح بعد قليل، وهنأني.
«صهري العزيز ، هذا يوم عظيم. أنت بطل وطني في النهاية!»
« نعم. إنه حلم حياتي… وقد تحقق».

 

*********

 

تقرير عاجل إلى جهاز أمن الدولة الإسلامية

هل سقط العياشي بوراسين في الثقب الدودي؟

 

في اليوم الذي احتفى فيه العياشي بوراسين بعيد ميلاده الخامس والخمسين، يبدو أنه سقط داخل ثقب لعين، متدحرجا من عالمه المألوف إلى عالم مجنون لا يجد له رأسا ولا ذيلا.
وسواء سقط سي العياشي في الثقب الغريب لأنه في تلك الليلة أوفى لنفسه الكيل والميزان بمزيد من الفودكا والتكروري في قبو بيته الذي درج على تسميته “مغارة علي بابا”، أو لأنه حسب رواية أخرى للأحداث، خضع لأوامر اثنين من مجهولي الهوية أقنعاه بأنهما من رجال الأمن السريين، فالنتيجة هي نفسها. ادعى أن ملكان طرقا بابه، وكانا متنكرين في مظهر البشر . ومن ثم انتزاعاه انتزاعا، وأخذاه مصفد اليدين إلى سيارة راحت تطوي المسافات طيا. ثم، في لمح البصر، دخلت داموسا حالكا تحت الجبل. ولا يعطي العياشي تفاصيل زمنية أو مكانية محددة، فكأن فيروسا مس دماغه، فلخبط كل ما فيه وزاد في تعقيد المعقد.
وهذه الرواية هي التي سمعها منه شهود مختلفون وعملاء لجهاز أمن الدولة متخفون. والمشكل الوحيد أن كل شاهد يضيف أو ينقص تفاصيل في الرواية. فهي لا تكتمل إلا بجمعها وحذف المتناقض ما أمكن ذلك.
عندما خرجت السيارة من ظلمة الداموس، حدث التغيير الذي نقل صاحبنا من عالم كان يأنسه ويحبه إلى عالم غريب اختلط فيه الناس والأشياء بشكل غير مألوف. لم يكن  العياشي  يعرف أين حل بالضبط، لكن تكونت لدى بعض الشهود قناعة بأنه دخل، بغير علم أو دراية، أحد تلك الأكوان الموازية لكوننا من ثقب في الزمكان. و بالنسبة للبعض، يكمن ذلك الثقب في القبو المتخم بكل أنواع الكحول والنبيذ والمشروبات الروحية، فضلا عن الحشيش (لبناني، ومغربي، وأفغاني)، والماريخوانا (من جنوب آمريكا، وإفريقيا)، والأفيون ومشتقاته، والكوكايين، و الأمفيتامين Speed ، والفطر المقدس، وأنواع الـــ Psychedelics الأخرى. وهي كميات تكفي لجعل الشعب التونسي بأسره يسافر إلى الأكوان الموازية، إن وجدت! وقد يكون الثقب الزمكاني أيضا ذلك الداموس الذي قطعته السيارة تحت جبل: ولعله جبل بوقرنين، لأن صاحبنا تحدث عن جبل برأسين، وأضاف ظانا أنه يمزح: «مثلي تماما»! ولا غرابة أن تتزايد شكوكه وقلقه. فهو لا يعرف لنفسه عالما آخر سوى ذلك الذي عاش فيه حتى ذلك الوقت، أولا في بلدة أولاد باب الله، مسقط رأسه، ثم في ضواحي تونس العاصمة، قرب برج السدرية، بعد أن استقر هناك مع زوجته صوفية، طليقة وزير الداخلية ورئيس جهاز أمن الدولة السابق. أما في ذلك اليوم الذي وافق عيد ميلاده الرابع والخمسين، فقد زعم أن ما عاشه خارج عن المألوف.
زعم العياشي بوراسين أنه لم يتوقع أن يرى أربع أو خمس شموس في السماء، وثلاثة أو ستة أقمار إن كان الوقت ليلا، لأنه لم يدرك إلا بعد وصوله أن السيارة لم تكن سوى مركبة فضائية غادرت به الأرض. رأى أربع شموس، اثنين على اليمين، واثنين على اليسار، وخامسة فوق رأسه بالضبط. وكان ذلك أثناء التحقيق الذي جرى معه. ذلك أن الجماعة عندنا كبسوه متلبسا، فوضعوه تحت المراقبة. ثم تهاطلت عليه الأسئلة من كل مكان، ولم يكن باستطاعته أن يرى الوجوه، لأن أنوار خمس شموس، كما اعتقد، كانت مسلطة عليه في الليل البهيم.
أثناء الرحلة في السيارة، لم يستطع أن يميز أي شيء في السماء. عندما تطلع من زجاج النافذة، كانت سحب كثيفة تلبدها وتمنع الرؤية الصافية. وحين نظر في ساعته اليدوية، لاحظ أنها توقفت في الساعة الرابعة، أي في الوقت الذي ابتلع فيه مركبتهم الداموس الجبلي وفقا لروايته الخاصة لبعض الشهود، أو ما ابتلعه هو نفسه في القبو، وفقا لرواية عملائنا. إلا أنه استطاع أن يلمح أشكالا هندسية بيضاء تلمع فيها بعض الأضواء الخافتة على حافتي الطريق المعتمة. ومن ثم، استنتج أنهم ولا بد وصلوا إلى كوكب آخر بعيد ملايين السنوات الضوئية عن الأرض، وأن الحياة موجودة على ظهر ذلك الكوكب، وهو ما تدل عليه تلك الأشكال التي كانت بيوتا أو عمارات. وشعر السيد الطيب فجأة بانقباض في صدره وحنين إلى مسقط رأسه ورغبة في البكاء. وكاد يجهش بالفعل لولا أن بوابة حديدية كبيرة انزاحت فجأة لتجتازها السيارة، وتغلب الفضول والدهشة أمام الجديد على أي شعور آخر.
وبعد ذلك بوقت لا يمكن تحديده لأن الشهود لم يتفقوا عليه، كتب العياشي في مذكراته التي وجدناها معه في محفظة جلدية سوداء، ما يلي:
ما أن عتبت باب الفندق حتى حدث التغيير الفجئي، و كان ذلك هو آخر يوم أتذكر فيه عمري الصحيح. و منذ سقطت في ذلك الثقب اللئيم، لم أعد أعرف ما هو عمري ولا كم أمضيت من الزمن أدور حول نفسي وتدور حولي جدران المكان والزمان. كنت في البداية أعد الأيام، ولكن بمرور الوقت الذي لم يكن يمر حقا، تلاشى إحساسي بالزمن وتشابهت الأيام والسنون وربما القرون. ومن حسن حظي أنني احتفظت بذاكرتي القديمة على حالها، أما ذاكرتي الجديدة فقد اكتسبتها هنا، في مكان إقامتي الجديد بصندوق العجائب هذا. ولأنها ولدت في الثقب الدودي الذي أفضى بي إلى هذا الفندق الغريب، فقد اكتسبت بعض خصائصه، ومن بينها القدرة على الالتفاف والدوران حول نفسي والرجوع إلى نفس المكان والزمان بشكل لا نهائي.
قضي الأمر إذن! ومن بين عشرات الطيبين أبناء جدنا الأول العياشي بوراسين ، عليهم جميعا رحمة الله ونوره وسلامه، قدر على خادمكم المتواضع، و هو الأخير في السلالة، أن يسقط في الثقب العجيب ، ويطلع على أسراره الهرمسية. ذلك أنني أحدثكم من مكان يبعد عن الأرض بلا شك ملايين السنوات الضوئية. وأرجو أن تصلكم هذه الرسالة يوما.